قد يرى الإنسان في منامه خمرًا إلى جانب مشاهد تتعلق بالدين، كأن يرى مسجدًا وفي جواره شراب، أو كتابًا دينيًا بجوار كأس، أو يسمع أذانًا وهو في مجلس فيه خمر، فيستيقظ متعجبًا من هذا الاختلاط. وهذا الحلم يتكرر عند من يعيشون بين عالمين أو يشعرون بتجاذب بين ما يطلبه الدين وما تدعو إليه البيئة المحيطة. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، ولا يدل على أن الرائي مقصّر في دينه أو أنه فعل شيئًا في الواقع. فليستقبل الحلم بهدوء وتأمل، وليحمله على أحسن المحامل.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء الرأي، وحين تقترن بمشاهد الدين فقد تُقرأ رمزيًا على التقاء الغفلة بالصفاء في نفس واحدة، أو على صراع داخلي بين الرغبة في الاستقامة وما يعرض لها من ملهيات. وقد تعبر الصورة عن قلق من فتور في العبادة أو من انشغال عنها. وقد تكون كذلك من أثر موعظة سمعها الرائي أو موقف جعله يراجع حاله. وكل ذلك احتمالات للتأمل لا أحكام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على كسب فيه شبهة أو لهو وغفلة، وأن حال الرائي هو المعتبر في الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر ملتبس. وقد اختلف المفسرون في هذه الرموز، ومنهم من رأى أن الجمع بين المتناقضات في الرؤيا من علامات أضغاث الأحلام التي يغلب عليها الخيال. وهذا ما ينبغي أن يجعل الرائي أكثر تساهلًا في النظر إلى هذا النوع من المنامات.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن غلب مشهد الدين على مشهد الخمر فقد يُقرأ ذلك رمزيًا على غلبة الخير وثبات النفس. وإن غلب مشهد الخمر فقد يعبر عن انشغال أو تعب يحتاج إلى معالجة هادئة. وإن تجاورا بلا غلبة فقد يتصل بتجاذب عام يعيشه الرائي. وإن رأى نفسه يترك الخمر ويتجه إلى الدين فقد يُفهم منه ميل إلى الرجوع. ويُنظر إلى مشاعره عند الاستيقاظ فهي من أصدق القرائن.
وللشاب قد يرتبط الحلم بمرحلة البحث عن هوية والتوفيق بين دينه وبيئته. وللمتزوج قد يتصل بمحاولة الموازنة بين مسؤولياته وطاعته. وللمهاجر أو المقيم في بيئة غير مسلمة قد يعبر عن شعور بالغربة والتجاذب بين ثقافتين. وللمرأة قد يتصل بما تواجهه من ضغوط اجتماعية. وليس في ذلك ما يدين أحدًا، وإنما هي طرق لفهم ما في النفس.
ومن دقائق الأمر أن يُنظر إلى نوع المشهد الديني المقترن بالخمر، أكان مسجدًا أم مصحفًا أم صوتًا أم حجًا أم صلاة، فلكل منها ظلال دلالية مختلفة. فالمسجد قد يرمز إلى الطمأنينة، والكتاب إلى العلم، والصوت إلى التذكير. وينظر كذلك إلى موضع الخمر منها، قريبة أم بعيدة، ظاهرة أم خفية. وتبقى هذه التفاصيل قرائن ظنية لا تقطع بشيء.
وعمليًا فخير ما يفعله الرائي أن يستثمر هذا الحلم في تقوية صلته بدينه، فيحافظ على فرائضه، ويقرأ ما ينفعه، ويصاحب أهل الخير، ويتحرى طيب مكسبه، كل ذلك برفق وتدرج. وليكثر من الدعاء بالثبات والتوفيق. وليتجنب أن يجعل الحلم سببًا لجلد الذات أو الشك في إيمانه، فإن ذلك يضعف ولا يقوّي.
ومن الناحية الروحية فلا ينبغي أن يجعل الرائي الحلم ميزانًا لدينه أو درجة إيمانه، فهذا أمر بينه وبين ربه، ولا يُعرف بالمنامات. وإن كان في واقعه يعاني من تعلق بالمسكرات مع حرصه على دينه فليطلب العون من شخص موثوق أو مختص، فهذا لا ينافي الإيمان بل هو من الأخذ بالأسباب. وليعلم أن الاستقامة رحلة تحتاج إلى صبر وسند.
وقد ينفع الرائي أن يجعل لنفسه برنامجًا بسيطًا يومي من الذكر والقراءة والدعاء، وأن يبتعد عن مصادر التشتت قبل نومه، وأن ينام على طهارة وذكر. فهذه من أسباب سكينة النفس وصفاء الأحلام بإذن الله. ولا حاجة إلى التشدد في ذلك، فالمهم هو الاستمرار والاعتدال.
ومما يزيد الطمأنينة أن يعلم الرائي أن كثيرًا من الأحلام التي يختلط فيها المقدس بغيره هي من أضغاث الأحلام التي تتشكل من صور اليوم وأحاديثه، فلا ينبغي أن يجعلها محور تفكيره. وليواصل حياته بثقة، وليذكر أن الله رحيم بعباده يقبل منهم القليل ويثيب على الصادق من النية.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يصلح أساسًا لقرار حقيقي، ولا يُبنى عليه حكم على دين أحد، وقد يخطئ المفسر وإن أحسن النية. والأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بالله، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليطمئن قلبه وليواصل طريقه بسكينة وثبات.
