يرى بعض الناس في منامهم أنهم شربوا الخمر وهم يشعرون بقلق غامض، أو أنهم يرون الخمر وهم مضطربون دون سبب واضح، فيستيقظون مثقلين بشعور لا يعرفون مصدره. وهذه الأحلام كثيرة عند من يمرّون بفترات ترقب أو ضغط. والمنام رمزي ولا يُحمل على ظاهره، ورؤية الخمر لا تعني أن الرائي فعل ما يُلام عليه، كما أنها لا تنبئ بحدوث ما يقلق. فالقلق في الحلم قد لا يكون له صلة بالخمر أصلًا، وإنما اتخذ منها صورة يتجسد فيها.
يذكر المفسرون الخمر على أنها قد ترمز إلى الغفلة والفتنة والمال المشتبه وسوء التقدير. وأما القلق فهو حال نفسية لا يتحدث عنها المفسرون القدماء بالمصطلح الحديث، لكنهم يذكرون الهمّ والغمّ والحزن وما يعتري الصدر. فإذا اجتمعا فإن القراءة المحتملة هي أن الحلم يعكس همًّا حاضرًا يبحث عن مخرج، وأن النفس تتخذ صورة مألوفة لتعبّر عن اضطراب لا اسم له. وهذا فهم هادئ يجعل الحلم مناسبة للالتفات إلى الصحة النفسية.
نُسب إلى ابن سيرين أن الهمّ في المنام قد يدل على ضيق في الحال يعقبه فرج، وذهب بعض المفسرين إلى أن اضطراب الرائي في المنام يُفسَّر بحسب حاله في يقظته. وقال النابلسي فيما يُنقل عنه ما يقاربه في ما يتعلق بالهموم. ومع ذلك فقد اختلف أهل التعبير، فمنهم من يرى القلق في الحلم دليلًا على همّ حقيقي، ومنهم من يراه من حديث النفس. فنحن أمام اجتهادات تُقرأ بتواضع، ولا يُجزم بها.
للسياق أثر في المعنى. فإن كان القلق مصحوبًا بشرب الخمر باختيار الرائي فقد يدل على ميله إلى الهروب من الضغط، وإن كان مصحوبًا برؤية الخمر فقط فقد يدل على قلق من أمر يلوح له. ويُنظر إن كان الرائي مكرهًا أو مختارًا، وإن كان وحيدًا أو مع أحد، وإن كان القلق يزول في الحلم أم يزداد. وكذلك شعوره عند الاستيقاظ، فمن هدأ سريعًا لا يشبه من بقي مضطربًا.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى قلق من المستقبل أو الدراسة أو الارتباط، وهو قلق طبيعي في مراحل التحول. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن ثقل المسؤوليات وكثرة ما يُطلب منها. وللرجل قد يرتبط بقلق الرزق والعمل. وللحامل فهو في الغالب أثر للقلق الطبيعي من الحمل والولادة، وهو شائع جدًا، وعليها أن تتحدث بمخاوفها مع من تثق به وأن تتابع مع طبيبها ما يشغلها، فلا علاقة لهذا الحلم بسلامتها.
ومن الدقائق: ما الذي كان الرائي يفكر فيه قبل النوم، وهل كان هناك موعد أو خبر أو قرار ينتظره. فكثيرًا ما يكون الجواب واضحًا بمجرد التأمل البسيط، فيجد الإنسان أن الحلم لم يكن إلا مرآة لما في ذهنه. وإن كان القلق في الحلم بلا سبب ظاهر فقد يدل على إرهاق عام يحتاج إلى راحة. وكل ذلك تأمل نفسي مفتوح ولا يُعدّ إخبارًا.
ويحسن أن يعلم الرائي أن القلق مرض العصر عند كثير من الناس، وأن الأحلام تتأثر به بصورة طبيعية. ومن الوسائل المعينة على تخفيفه: تنظيم النوم، وممارسة الرياضة الخفيفة، والتنفس الهادئ، والذكر والدعاء، وتخفيف المنبهات والأخبار قبل النوم، والحديث إلى من يطمئن إليه. ولا ضير أن يطلب الإنسان معونة مختص إذا كان القلق مستمرًا ويؤثر في حياته، فهذا من الأخذ بالأسباب.
ومن الجوانب الروحية في هذا الحلم أن يتذكر الرائي أن الطمأنينة الحقيقية تُنال بذكر الله والتوكل عليه، وأن القلق ليس دليلًا على ضعف الإيمان بل هو حال إنسانية تمرّ بالصالحين وغيرهم. ولهذا فلا ينبغي أن يزيد الرائي على قلقه ملامة لنفسه، بل يعامل نفسه برفق ويطلب من الله السكينة. وقد يكون في هذا الحلم باب إلى مراجعة جميلة لما يريح القلب ويقرّبه من ربه.
وعمليًا يُنصح بالحذر في الكسب والصحبة، وبتجديد التوبة والعزم على الخير برفق. وإن كان الرائي يلجأ إلى المسكرات أو غيرها في يقظته للتخفيف من قلقه، فليتحدث بصراحة إلى شخص يثق به أو إلى مختص يدعمه ببدائل صحية، فالقلق يُعالج بوسائل أنفع وأبقى.
ومما يُلاحظ في أحلام القلق أنها تتبدل بتبدل الظروف، فمن كان قلقه من امتحان رأى صورًا تتعلق بالتحضير والتأخر، ومن كان قلقه من أمر مالي رأى صورًا تتعلق بالفقد والخسارة، ومن كان قلقه عامًا رأى صورًا غامضة كشرب شيء لا يعرف ما هو. وهذه الملاحظة تساعد الرائي على فهم حلمه بعيدًا عن الأوهام، إذ يدرك أن الرموز تُستمد من حياته هو لا من قاموس جامد. ومن هنا كان الإنصات إلى النفس أنفع من تتبع الرموز في الكتب.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار حقيقي، وليس في هذا الحلم ما يدل على أن شيئًا مقلقًا سيقع. فليُقابله الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وليتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن القلوب تطمئن بذكره وتسكن برحمته.
