من الأحلام التي تحمل صوتاً وحركة مفاجئة حلم كسر زجاجة الخمر، إذ يتذكر الرائي لحظة الانكسار وتناثر القطع والسائل. وقد يستيقظ مذعوراً أو مرتاحاً بحسب ما شعر به في الحلم، ويتساءل عن معنى هذا المشهد. وينبغي هنا أن نؤكد أن الصورة رمزية لا تدل على ذنب ولا على نتيجة محققة، وأنها لا تُعدّ حكماً على أحد. فالمنام لغة تستعير الأشياء المألوفة لتحكي عن مشاعر وأوضاع ربما لا علاقة لها بالزجاج ولا بالشراب. ولذلك فالتفسير الحكيم يبدأ بالهدوء وسؤال النفس عما يمرّ بها.
الكسر في عالم الرموز يشير إلى الانقطاع والانتهاء المفاجئ والتحول من حال إلى حال، وقد يكون فيه معنى الخسارة أو الإفلات. وحين يتعلق بوعاء الخمر فقد يدل بحسب بعض المفسرين على انقطاع أمر فيه شبهة أو لهو، أو على بطلان صفقة كان يُراد لها أن تتم. وقد يعني كذلك انهيار خطة كان صاحبها يعوّل عليها، فيكون الكسر تنبيهاً بأن الأمور لا تمضي كما رُسم لها. وفي المقابل قد يكون علامة على زوال حاجز أو قيد، فيشعر الرائي بحرية ما. فالدلالة تتراوح بين الفقد والانفكاك.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن كسر الأواني قد يدل على فراق أو انقطاع بحسب ما يُكسر وحال صاحبه، وهذا مما يُنقل على سبيل الإشارة لا الحكم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما كان مصدر سوء إذا كُسر فقد يشير إلى زوال ذلك السوء، وإن كان مصدر نفع فقد يشير إلى نقص فيه، مع التأكيد على اختلاف الأحوال. وقد قال بعض المفسرين إن انجراح اليد من الزجاج في الحلم قد يدل على تعب يصيب الرائي بسبب أمر ما، فينبغي أن ينتبه لما يتعامل معه. وكل هذه الأقوال متباينة ولا يصح أن تُعدّ قاطعة.
وينبني المعنى على تفاصيل الكسر، فإن كان الرائي هو الكاسر بقصد فقد يعبّر عن قرار حاسم بقطع أمر ما، وإن كانت الزجاجة سقطت منه عفواً فقد يدل على فقد أمر دون اختيار. وإن كسرها غيره فقد يشير إلى تدخل من خارج يغيّر مجرى الأمور. وشعور الرائي مهم جداً، فالارتياح عند الكسر قد يوحي بأن الانقطاع في صالحه، والحزن قد يوحي بتعلقه بأمر يفقده. كما أن وجود أناس يشهدون الحادث قد يعني أن للأمر بعداً اجتماعياً، وغيابهم يعني أنه شأن شخصي.
وللرجل قد تشير الرؤية إلى انتهاء شراكة أو تعامل أو إلى تخليه عن عادة أو صحبة، وقد تعني أيضاً تعثراً مؤقتاً في أمر مالي يحتاج إلى تدبير. وللمرأة المتزوجة قد تدل على خلاف عابر يزول أو على مفارقة أمر مزعج في البيت. وللفتاة غير المتزوجة قد تدل على انتهاء ارتباط غير مناسب أو تراجع عن قرار متسرع. وللحامل قد تأتي الصورة من توتر عام أو خوف من الحوادث الصغيرة، وهو أمر معتاد في هذه المرحلة. وكلها احتمالات لا ترقى إلى اليقين.
ومن الدقائق أن يُنظر هل تناثر الزجاج بكثرة أم انكسر بهدوء، فالتناثر الكبير قد يعبّر عن أثر أوسع للانقطاع، والانكسار الهادئ عن أثر محدود. وهل بقي في الزجاجة شراب أم كانت فارغة، فالفارغة قد تشير إلى انقطاع في أمر قد جفّ أصلاً. وهل قام الرائي بتنظيف المكان بعد ذلك أم تركه، فالتنظيف قد يعبّر عن رغبة في طي الصفحة. وهذه التفاصيل ليست ثابتة، بل هي إشارات تُوزن بحسب كل حالة.
وفي بعض الأحيان لا يكون هذا الحلم أكثر من صدى لصوت مفاجئ سمعه النائم أو لحادث عادي في البيت أو لتوتر العصاب أثناء النوم. فالدماغ كثيراً ما يدمج المؤثرات الخارجية مع أحلامه، فيحول صوت شيء يسقط إلى مشهد كامل. ومن هنا ينبغي أن نحتاط في استخراج الدلالات الكبيرة من كل منام. وإذا كان الرائي يعاني من ضغط أو أرق فقد يكون الأجدر به أن يعتني براحته ونومه قبل أن يبحث عن معنى خفي.
أما من الناحية العملية والروحية فإن الدرس الألطف أن يقف المرء عند ما ينقطع عنه في حياته فيتقبله برضا ويحسن الظن بأن في الله عوضاً خيراً. وأن يجتنب الصحبة والمال المشتبه، وأن يجعل لنفسه عادات هادئة تحفظ توازنه. وإن رأى في الحلم دعوة إلى ترك أمر ما فليبدأ ذلك بالتدريج وبنية صادقة دون عنف على النفس، فالتوبة باب واسع. ومن كان يعاني في واقعه مع المسكرات فليحدّث شخصاً أميناً أو مختصاً يساعده، فطلب العون حكمة لا عيب فيها.
وفي الختام نكرر أن هذا كله اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، لا يجوز أن يكون مستنداً لقرار حقيقي في مال أو علاقة أو عمل أو سفر. فمن رأى هذه الرؤية فليتوجه إلى الله بالدعاء وليحسن الظن به، فهو الذي يدبّر الأمور بحكمته. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وليس لأحد أن يقطع فيه بشيء.
