يظهر الكأس في بعض الأحلام وفيه خمر، فيراه الحالم في يده أو في يد غيره أو موضوعاً أمامه. وهذه الصورة، بخلاف الزجاجة، تتصل بمفهوم النصيب والحصة، فالكأس عند العرب يرمز إلى ما يُسقى الإنسان من أحوال الدنيا. ولذلك يسأل كثيرون عن دلالة كأس الخمر في المنام وهل تعني أمراً يستدعي القلق. والأصل أن نذكّر بأن هذه رؤية رمزية لا تدل على ذنب ولا على نتيجة مؤكدة، وأن ظهورها لا يُحاسَب عليه أحد. فلنقرأها بروية وهدوء ونأخذ منها ما يعين على التأمل.
الكأس في الرموز وعاء النصيب، يقدَّم للإنسان فيه ما قُسم له من مسرّة أو مرارة، ولذلك قيل إن الكأس يشير إلى ما يتجرعه المرء من أحوال. وإذا ارتبط بالخمر رأى بعض المفسرين فيه إشارة إلى نصيب فيه شبهة أو إلى اختبار في الإغراء، أو إلى لحظة لهو قصيرة قد تترك أثراً. وقد يدل الكأس المرفوع على اقتراب أمر من الرائي ومقاربته إياه، أما الكأس الموضوع فقد يدل على أمر ما زال على مسافة. وهكذا يتحول الكأس من وعاء مادي إلى رمز للاختيار بين قبول ما يُعرض وتركه.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الكأس قد يدل على نصيب من الدنيا بحسب ما فيه، وإن كان ما فيه مما يُحذر منه فقد يشير إلى منفعة يشوبها شيء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من أُعطي كأساً فقد يُعطى حظاً بحسب نوع الشراب، وهو قول يُنقل بحذر. ومن المفسرين من لاحظ أن الكأس الصافي قد يبشّر بصفاء ما، والكأس العكر قد ينبه إلى كدر، فجعلوا النظر إلى حال الكأس وماله. وفي هذا يتبين أن المعنى مرهون بحال الرائي والتفاصيل المحيطة.
يؤثر في المعنى هل الكأس في يد الرائي أو غيره، فإن كان في يده ولم يشرب فقد يكون في حال تردد وتفكير، وإن كان في يد غيره يعرضه عليه فقد يكون ذلك إشارة إلى عرض يأتيه من آخرين. وإن كان الكأس ممتلئاً فالنصيب وفير في الرمز، وإن كان نصف ممتلئ فقد يشير إلى أمر ناقص أو معلّق. ومن التفاصيل شكل الكأس، فالجميل المنقوش قد يوحي بإغراء زخرفي، والبسيط قد يوحي بأمر عادي. وكذلك مشاعر الرائي، فالرغبة في الإقبال تختلف عن الرغبة في الإعراض.
وللرجل قد يدل الكأس على نصيب يتعلق بمال أو منصب أو صحبة تُعرض عليه، فيحسن به التأني والتحقق. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن تفاصيل الحياة الأسرية التي تتقاسمها مع شريكها وما قد يطرأ فيها من تغيرات. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى عرض قريب أو علاقة محتملة تستوجب الاستخارة والمشورة. وللحامل قد يعبّر عن توقعات ومخاوف تحيط بالمستقبل القريب، فتحتاج إلى سكينة. وجميع ما سبق مما يُحمل على الظن لا اليقين.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي من قدّم الكأس، وهل كان وجهه مألوفاً أو غريباً، وهل كان هادئاً أو مصراً. فالمصرّ قد يوحي بضغط خارجي، والهادئ قد يوحي بخيار مفتوح. كما أن للضوء والمكان أثراً، فالكأس في مكان مضيء قد يختلف عن الكأس في ظلام. وأن ينتبه كذلك إلى كلمة قيلت أو إشارة حدثت، فقد يكون فيها مفتاح الفهم. ومع ذلك يبقى الجزم بعيداً، فالتعبير اجتهاد والنفس تحمل في أحلامها أشياء كثيرة.
ويمكن أن نقرأ الكأس قراءة أخرى مفادها أن الحياة كلها نصيب موزع بين حلو ومرّ، وأن الإنسان لا يملك إلا أن يتلقى ويتصرف بحكمة فيما بين يديه. فمن رأى كأساً في منامه فقد يكون مدعواً إلى الرضا بما قُسم له مع السعي فيما يصلح. وهذا المعنى يخفف وطأة الرمز المرتبط بالخمر، ويفتح باباً للتأمل في طبيعة ما نقبله ونتركه في حياتنا. فلا يخرج الإنسان من الحلم بخوف بل بسؤال هادئ عما ينبغي أن يختاره.
أما الجانب العملي فهو أن يتحرى الإنسان في ما يعرض له من فرص وعروض، وأن يختار ما ينفعه دينه ودنياه، وأن يحسن اختيار من يجالسهم. ومن كان يعاني في واقعه من ميل إلى المسكرات فليتذكر أن لكل إنسان طريق عودة، وأن من الحكمة أن يحدّث شخصاً أميناً أو مختصاً بما يعانيه. ولا حاجة إلى الإفراط في اللوم، فالتدرج والعزم الصادق خير سبيل. والتوبة باب مفتوح لا يُغلق في وجه راجع إلى ربه.
وفي ختام الأمر فإن كل ما تقدم اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا ينبغي أن يكون سنداً لقرار حقيقي في أي شأن من شؤون الحياة. فمن رأى هذه الرؤية فليلجأ إلى الدعاء وليحسن الظن بالله، فهو الكريم الذي لا يخيّب من رجاه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وكل ما نقوله اجتهاد في فهم الرموز لا أكثر.
