حين يرى الإنسان في منامه شخصًا عزيزًا قد رحل عن الدنيا وهو يشرب خمرًا، فقد يصيبه حزن وارتباك شديد، وربما خاف على ذلك الراحل أو ظن أن في الحلم رسالة تخصه. وهذا من الأحلام الدقيقة التي تحتاج إلى رفق بالغ، فالأحلام التي تجمع الأحياء بالأموات كثيرًا ما تنبع من الشوق والذكريات والحزن. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، وليس فيه إخبار عن حال المتوفى ولا عن مصيره، فهذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه وحده. فليستقبل الرائي حلمه بسكينة، ولا يحمّله ما لا يحتمل.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء العقل. وحين يظهر فيها شخص متوفى فإن أقرب ما يُقال على سبيل التأمل أن الصورة تتعلق بالرائي نفسه، وبما في قلبه من حنين أو ندم أو تساؤل أو خوف من فقد جديد. وقد تكون الصورة من تراكم مشاعر لم يجد الرائي فرصة للتعبير عنها، فخرجت في منامه بشكل غريب. وقد تكون كذلك من أثر ذكرى أو مشهد أو حديث ذكّره بالراحل. وكل ذلك احتمالات للتأمل لا أحكام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على مال فيه شبهة أو لهو وغفلة، وأن المعتبر عندهم حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر ملتبس. وقد اختلف المفسرون في ذلك، وتحفظ كثير منهم في الجزم بما يتعلق بالموتى، لأن أمرهم عند ربهم لا يُدرك بالمنامات. ومن ثم فإن هذا الحلم لا يصلح دليلًا على شيء يتعلق بحال المتوفى، وكل ما يُقال فيه فهو من باب الرمز الخاص بالرائي.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن رأى المتوفى بهيئة مضطربة أو بهيئة غريبة فقد يدل ذلك على أن الصورة ممزوجة من خيال النائم. وإن رآه بهيئة هادئة فقد يرتبط ذلك بما يحمله الرائي من حنين وأمل. وإن رأى نفسه يستغرب أو يحزن لما رأى فقد يكون ذلك من أثر الخوف على من فقد. وشعور الرائي بعد الاستيقاظ دليل مهم على ما في نفسه، فالحزن والشوق يدلان على الوفاء والمحبة.
وللابن الذي فقد أباه أو أمه قد يكون الحلم أثرًا لشوق دفين أو إحساس بالتقصير. وللزوج أو الزوجة التي فقدت شريكها قد يعبّر عن حنين وخوف من الوحدة. وللصديق الذي فقد صديقه قد يكون صدى لذكريات مشتركة. وفي كل هذه الأحوال لا ينبغي أن يُستنتج من الحلم شيء عن الراحل نفسه، ولا أن يُفهم على أنه اتهام له أو إدانة أو خبر عن حاله.
ومن دقائق الأمر أن المتوفى كثيرًا ما يظهر في الأحلام في أماكن ومواقف لا تمت إلى حياته الحقيقية بصلة، وهذا دليل على أن الصورة من تركيب النفس. وينظر كذلك إلى حال الرائي قبل النوم، فربما كان في ذكرى وفاة أو زيارة قبر أو لقاء عائلي استحضر فيه الراحل. ولا ينبغي أن يتوقف عند تفاصيل الحلم أكثر من اللازم أو يعيد تذكرها مرارًا، فإن ذلك يزيد الألم ويشغل القلب بغير فائدة.
والواجب على الرائي أن يحفظ للراحل كرامته ولا يذكر ما رأى على سبيل الإساءة أو التشهير بين الناس، فالموتى لهم حرمة وستر. والأحسن أن يستحضره بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، وأن يذكره بخير وبما كان له من فضل، وأن يتصدق عنه أو يفعل ما يعرف من أعمال البر على سبيل الإهداء إن شاء، من غير أن يكون ذلك مرتبطًا بالحلم. فهذا من الوفاء الجميل الذي لا يضر ويحمل خيرًا للأحياء والأموات.
ومن الناحية الروحية فخير ما يستفيده الرائي من هذا الحلم أن يتأمل في سرعة الأيام وقرب الأجل، فيحرص على عمل صالح وطيب كسب وصحبة خيّرة، ويجدد التوبة بلا خوف مفرط. وإن كان الحزن قد اشتد عليه بعد الحلم فلا بأس أن يتحدث مع شخص قريب أو مختص يعينه على تجاوز الفقد، فالحزن حالة إنسانية تحتاج إلى سند. وإن كان للراحل صلة بمعاناة مع المسكرات في حياته فليتعامل الرائي مع هذه الذكرى برحمة، وليدعُ له ولا يحكم عليه.
ومما يُعين على الطمأنينة أن يتذكر الرائي أن أرواح الأحبة في رعاية الله، وأن علمنا بحالهم محدود، وأن الذي يستطيعه الحي هو الدعاء والذكر الحسن وعمل الخير. فليتخفف من القلق وليجعل حلمه مناسبة للدعاء. وفي ذلك سكينة تعوّض ما في الحلم من ثقل، وتحفظ للراحل مكانته في القلب.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يخبر عن حال أحد ولا يُبنى عليه قرار حقيقي، وكل ما يتعلق بالموتى وأحوالهم هو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده. فالأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بربه، وأن يطلب لراحله الرحمة والرضوان. فليطمئن قلبه، وليترك أمر من رحل إلى أرحم الراحمين.
