يرى بعض الناس في منامهم زجاجة خمر فارغة مرمية أو موضوعة في مكان ما، فيتساءلون عن دلالة هذه الصورة الصامتة. وهي صورة تحمل معنى الانتهاء أكثر من معنى البدء، فكأن الحدث قد مرّ وبقي أثره. وقبل الدخول في التفسير ينبغي أن نؤكد أن هذه الرؤية رمزية لا تدل على ذنب ارتكبه الرائي، وأنها قد تأتي من مشهد شاهده أو خاطر مرّ به. فلا داعي للقلق ولا لاتهام النفس، بل الأولى أن نتأمل ما يمكن أن تقوله لنا هذه الصورة عن أحوالنا.
الفراغ في لغة الرموز يرتبط بالانقضاء والنفاد وبانتهاء ما كان يملأ المكان. ويرى بعض المفسرين أن الإناء الفارغ المتعلق بالخمر قد يدل على زوال أمر فيه لهو أو شبهة، أو على خروج من مرحلة انشغال لم يبق منها إلا الأثر. وقد يشير كذلك إلى شعور بالخواء بعد أن يستنفد الإنسان طاقته في ما لا ينفعه، فتكون الصورة إعلاناً هادئاً عن الحاجة إلى معنى أعمق. وقد يعبّر عن مال استُنفد أو وقت ضاع، فيدعو إلى حسن التدبير. وكل ذلك احتمالات متقاربة لا يجزم بواحد منها.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الأواني الفارغة قد تدل على قلة ما في اليد أو على انتهاء أمر، وأنه ينبغي النظر إلى ما كانت تحمله. وذهب بعض المفسرين إلى أن رؤية آثار الشيء دون الشيء نفسه قد تكون إشارة إلى نجاة من فتنة أو انتهاء شبهة عن الرائي، مع التنبيه على أن هذا مما يُحتمل. وقد رأى آخرون في الفراغ دعوة إلى ملء الحياة بما ينفع بدلاً مما انقضى. ومن الواضح أن المفسرين ينظرون في أحوال الرائي أكثر مما ينظرون إلى الرمز بمعزل عنها.
يتلون المعنى بحسب مكان الزجاجة، فإن كانت في سلة المهملات فقد توحي بتخلص نهائي من أمر ما، وإن كانت ملقاة في الطريق فقد توحي بأثر ترك للناس. وإن وجدها الرائي في بيته وكأنها بقايا حفل أو مناسبة، فقد يرتبط التفسير بأمر مضى في الأسرة أو الأصحاب. ويؤثر شعوره عند رؤيتها، فالارتياح قد يعني أنه تجاوز مرحلة، والأسى قد يعني أنه ما زال يتعلق بها. وإن كانت مكسورة وفارغة معاً فقد تضاعف معنى الانتهاء والانقطاع.
وللرجل قد تدل هذه الرؤية على نفاد مال أو انتهاء مشروع أو صحبة، وتدعوه إلى إعادة ترتيب أولوياته بحكمة. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن شعور بالفراغ العاطفي أو الإجهاد بعد فترة عمل شاق، فتحتاج إلى راحة وتقدير. وللفتاة غير المتزوجة قد تدل على انقضاء مرحلة وبدء أخرى أو على فراغ تبحث فيه عن معنى. وللحامل قد تأتي الصورة في مرحلة التفكير بالتغيرات القادمة، فلا يكون لها دلالة خاصة. وكل ذلك احتمال لا أكثر.
ومن الدقائق التي تُثري الفهم حالة الزجاجة الظاهرة، فهل هي نظيفة أم متسخة، وهل بقي فيها قطرات أم جفّت تماماً، وهل كان لها غطاء. فالنظافة قد تشير إلى انتهاء الأمر بسلام، والتراب قد يشير إلى أن أثره قديم، والقطرات الباقية قد تشير إلى بقية لم تنقطع بعد. ويُسأل الرائي كذلك عن مصدر الزجاجة وهل رآها بين أغراضه أو أغراض غيره. ولكل ذلك دلالة تقريبية تُضاف إلى الصورة العامة.
وقد يكون من جميل المعاني أن الفراغ مساحة للامتلاء بالخير، فالإناء الفارغ يتسع لما ينفع. ومن هذا الباب قد يكون الحلم دعوة إلى إعادة ملء الوقت والقلب بما يقرّب من الله ويبارك في العمر، كقراءة وعمل صالح وصحبة طيبة. فلا يرى الإنسان في الفراغ نقصاً يحزنه بل فرصة لبداية جديدة. وهذا الفهم يخفف من ثقل الرمز ويحوّله إلى باب أمل، وهو أقرب إلى روح التفاؤل التي تحبها النفس السليمة.
أما الجانب العملي فهو أن يتأمل المرء أين ذهب وقته وماله وجهده، وأن يحرص على أن يكون كسبه طيباً وأن يتجنب ما يستنزفه بلا فائدة. ومن كان يعاني في واقعه من مشكلة تتعلق بالمسكرات فقد يكون الحلم تذكيراً لطيفاً بأن ما يستهلكه لا يملأ فراغه، وأن الأجدر أن يطلب العون من شخص يثق به أو من مختص دون خجل. وليكن العزم على الخير هادئاً متدرجاً، والتوبة مفتوحة لا تُغلق في وجه أحد. وبالرفق تُبنى العادات الجديدة.
ويحسن أن يتذكر الرائي أن الزجاجة الفارغة تُرى في الواقع في أماكن عادية جداً، كسلة المهملات أو رف المطبخ أو سلة إعادة التدوير، ولذلك قد يكون ظهورها في الحلم أثراً من مشهد عابر لا أكثر. وإذا كان هذا هو الأصل فلا داعي لتحميل الصورة معنى كبيراً، ويكفي أن تُعدّ دعوة لطيفة إلى حسن ترتيب الوقت والجهد وملء الأيام بما يفيد، دون أن تتحول إلى هاجس يثقل النفس.
وختاماً فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني، لا يجوز أن يُبنى عليه قرار في مال أو عمل أو علاقة. فمن رأى هذه الصورة فليتوجه بالدعاء إلى ربه وليحسن الظن به، فهو الذي يعلم السرائر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وأقصى ما نملكه أن نتأمل الرموز ونترك العلم المحيط له سبحانه.
