يرى بعض الناس في منامهم أنهم شربوا الخمر فترنحوا ثم سقطوا على الأرض أو من مكان مرتفع، ويستيقظون على إحساس مفاجئ بالارتجاف. وهو من الأحلام التي يكثر ذكرها، لأن السقوط بحد ذاته من أشهر مشاهد الأحلام عند الناس جميعًا. والمنام رمزي في أصله ولا يُحمل على ظاهره، وهذا الحلم لا يخبر عن سقوط أو إصابة في الواقع. كما أن رؤية الخمر لا تعني أن الرائي فعل ما يُلام عليه، فالصورة كلها قد لا تتجاوز تعبيرًا عن شعور بفقدان التوازن في مرحلة من الحياة.
يذكر المفسرون الخمر على أنها قد ترمز إلى الغفلة وسوء التقدير والفتنة والمال المشتبه، ويذكرون السقوط على أنه قد يرمز إلى تراجع في منزلة أو إلى خوف من فقدان مكانة أو إلى تعثر في أمر ما. فإذا اجتمعا فإن القراءة المحتملة تتجه إلى التنبيه على أن الانشغال بما يُذهب الانتباه قد يُورث تعثرًا في الدرب. وهذه قراءة تأملية لا تعني أن الرائي سيسقط في مكانه، وإنما تدعوه إلى أن يمشي بوعي وأن يضع قدمه حيث يطمئن.
نُسب إلى ابن سيرين أن السقوط من علو قد يدل على نقص في الحال أو منزلة، وأنه قد يُقرأ عند بعضهم بحسب موضع السقوط ونتيجته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن السقوط في الأرض قد يدل على التواضع والرجوع إلى الأصل في بعض الصور، فهو ليس شرًا محضًا. فاختلاف المفسرين هنا ظاهر، فمنهم من رأى فيه تحذيرًا ومنهم من رأى فيه بشرى بالنجاة إذا قام الساقط سالمًا. ومن هنا كانت قراءة حال الرائي أولى من الاقتصار على الأقوال المنقولة.
والسياق يغيّر المعنى كثيرًا. فمن سقط ثم قام سريعًا وهو سالم فقد يُقرأ حلمه على أنه تجاوز لتعثر قريب، ومن سقط وهو خائف ولم يقم فقد يعبّر عن توتر وحاجة إلى سند. ويُنظر إن كان قد شرب مختارًا أو مكرهًا، وإن كان السقوط في مكان مألوف أو مجهول، وإن كان معه أحد يمدّ إليه يده. وشعوره حين استيقظ يحسم كثيرًا، فمن أفاق وهو مطمئن لا يكون كمن أفاق وهو مرتعد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن خوفها من أن تتعثر في دراسة أو عمل أو علاقة، وهو خوف طبيعي ينتاب كل من يقف على أبواب مرحلة جديدة. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى تعب من حمل أعباء كثيرة وشعور بأن الأرض تهتز من تحتها. وللرجل قد يرتبط بالخوف من تراجع في العمل أو المال. وللحامل فالأولى ألا تعير الحلم اهتمامًا، فهو في الغالب أثر للتغيرات الجسدية والمخاوف المصاحبة، وعليها أن تعتني بنفسها وتأخذ من يدها من يعينها.
ومن دقائق الحلم: ارتفاع المكان الذي سقط منه الرائي، وهل شعر بالألم أم بالخفة، وهل ارتطم بالأرض أم استيقظ قبل ذلك. ففي كثير من الأحلام يستيقظ الإنسان قبل الارتطام، وهو ما يُفهم رمزيًا على أن الخوف أكبر من الخطر، وأن الأمر ينتهي قبل أن يضر. وإذا وجد ما يسند يده فقد يرمز ذلك إلى سند في حياته، وهذه قراءات احتمالية لا تُلزم أحدًا.
ويُشار في علم النفس إلى أن الأحلام التي فيها سقوط ترتبط أحيانًا بحالات الإجهاد وبتغيرات النوم نفسه، فقد ينتفض الجسم عند بداية النوم فيرى الإنسان أنه يسقط. وهذا يعني أن بعض مشاهد السقوط لا تحمل رسالة رمزية أصلًا، بل هي أثر فسيولوجي بسيط. فمن رآها بعد يوم متعب فلا يفرط في تحميلها المعاني، وليذهب إلى الراحة وتنظيم النوم وتقليل المنبهات قبل المبيت.
وهناك معنى آخر لطيف يمكن استحضاره: أن السقوط في الحلم قد يكون دعوة إلى التواضع وإلى الاعتراف بالحاجة إلى العون، فكل إنسان قابل للتعثر ولا يشعر بالأمان إلا بتوفيق الله. ومن هنا يصبح المشهد فرصة لتجديد الصلة بالله والدعاء بالثبات في الأمور، واختيار الخطى بتؤدة، وطلب النصيحة من الناصحين الصادقين. وهذه الروح تُحوّل الصورة المخيفة إلى باعث على السكينة والحذر المحمود.
وعمليًا ينبغي للرائي أن يحتاط في كسبه وصحبته، وأن يجدد التوبة والعزم على الخير دون قسوة على نفسه. وإن كان يعاني فعلًا من تعاطي المسكرات فليتحدث إلى من يثق به أو إلى مختص يعينه على التخلص منها، فالقيام بعد التعثر من أجمل ما في الإنسان، وطلب المساعدة جزء من هذا القيام.
وأخيرًا فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، وليس في هذا الحلم ما يُنذر بسقوط أو أذى. فليدعُ الرائي ربه بالثبات وحسن العاقبة، وليحسن الظن به، فالغيب لا يعلمه إلا الله، وهو الذي يُمسك عباده فلا يسقطون إلا بإذنه ولطفه.
