من الأحلام المحرجة التي قد يراها الأبناء والبنات أن يروا أباهم يشرب خمرًا في المنام، فيستيقظ الرائي وفي صدره ثقل واستغراب وربما غضب أو خجل. وهذا الحلم يتكرر عند كثيرين رغم أن آباءهم من أهل الصلاح والاستقامة، وفي ذلك دليل على أن المنام لا يعكس بالضرورة حقيقة الأشخاص. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، وليس فيه دليل على سلوك الأب ولا ينبغي أبدًا أن يُستخدم لاتهامه أو مواجهته أو الإساءة إلى صورته في القلب. فهو صورة داخل نفس الرائي وليست خبرًا عن الأب.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء الرأي. وحين يظهر الأب في هذا المشهد فقد يُقرأ رمزيًا على أن الرائي يستشعر قلقًا على أمر يخص الأسرة، كالرزق أو القرارات الكبرى أو مسؤوليات الأب التي تثقل كاهله. وقد يكون الحلم انعكاسًا لخوف الابن أو البنت من فقدان السند أو تغير مكانة الأب في حياتهما. وقد يكون أيضًا من أثر حديث سُمع أو مشهد رُئي في النهار دون أن يتصل بالأب حقيقة. وكل ذلك من باب الاحتمالات.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن رؤية الخمر قد تدل على مال فيه شبهة أو على لهو وغفلة، وأن المعتبر عندهم حال الرائي لا ظاهر الصورة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر ملتبس. غير أن المفسرين اختلفوا في تقدير هذه الرموز، ولم يجعلوا ما يُرى للغير دليلًا على حال ذلك الغير، بل كثيرًا ما حملوه على الرائي نفسه ومحيطه. ومن ثم فإن النظر إلى هذا المنام على أنه شهادة على أبٍ بعينه مخالف لروح التفسير المتحفظ.
وتتغير دلالة الحلم بتفاصيله، فإذا كان الأب يشرب وهو منزعج أو مُكره فقد يرمز إلى ضغوط يعيشها الرائي نفسه ويسقطها على صورة الأب. وإن كان يشرب في مجلس غريب فقد يتصل الأمر بخوف من بيئة جديدة تحيط بالأسرة. وإن كان يرفض الشراب أو يريقه فقد يُقرأ ذلك رمزيًا على الاطمئنان وبعد الأسرة عن أمر مشتبه. ويُنظر أيضًا إلى شعور الرائي: هل غضب أم حزن أم استغرب، فالمشاعر مفتاح لفهم ما في نفسه أكثر من فهم ما في أبيه.
وللابن قد يتصل الحلم بعلاقته بوالده وما يتوقعه منه من قدوة، وقد يكون صدى لخوف خفي من أن يفقد صورة الأب المثالي في نفسه. وللبنت قد يتصل برغبتها في أمان الأسرة وثباتها، وقلقها من اهتزازها. وللمتزوج الذي ابتعد عن أبيه قد يكون الحلم تذكيرًا بالحنين إلى الاطمئنان والرجوع إليه. وهذه قراءات نفسية رمزية لا تنفي أن الأمر قد يكون من أضغاث الأحلام لا غير.
ومن دقائق الأمر أن يُنظر في ما إذا كان الأب في الحلم بهيئته المعتادة أم بهيئة غريبة، فكثيرًا ما يظهر الأشخاص في المنام بصور مركّبة تختلط فيها ملامح وأحداث لا تمت للواقع بصلة. وينظر كذلك فيما سبق الحلم من أحاديث أو خلافات أو زيارات، فقد يكون هو الأصل. ولا يُعتدّ بعد ذلك بكل تفصيل صغير، فالمنام ليس وثيقة تُقرأ سطرًا سطرًا، وإنما هو مشهد رمزي يتأثر بالنفس والذاكرة والانفعال.
والواجب على من رأى هذا المنام أن يحافظ على بر أبيه ومعاملته الحسنة كما كانت، وألا يغيّر نظرته إليه بسبب ما رأى. ولا يجوز أن يسأله عنه أو يلمّح بما يحرجه أو يذكره لأحد على سبيل الاتهام، فإن ذلك ظلم لا يسوّغه حلم عابر. والأفضل أن يدعو له بالصلاح والعافية وبركة الرزق، وأن يزيد من برّه به واحترامه. فذلك هو التأويل العملي الأجمل لمثل هذا المنام.
وعلى المستوى الروحي فخير ما يفعله الرائي أن يتأمل في طيب رزقه هو وصحبته، فقد يكون الحلم تذكيرًا عامًا بالحذر دون أن يتعلق بأبيه. وليكثر من الدعاء لوالده ولنفسه بالثبات والهداية، وليتجنب التفكير الوسواسي في الأمر. وإن كان الحلم قد أثّر في نفسه كثيرًا فليحدّث به شخصًا حكيمًا موثوقًا يطمئنه ولا يزيده قلقًا. وإن كان في أسرته مشكلة حقيقية متعلقة بالمسكرات، فالأجدى أن يُطلب العون عبر قنوات مناسبة، كاستشارة مختص أو كبير حكيم من العائلة.
ويحسن بالرائي أن يتذكر أن الصورة التي يحملها كل إنسان عن أبيه صورة عميقة مشحونة بالمشاعر، ولذلك فإن النفس قد تعبّر عن مخاوفها وأمانيها بشخص الأب في المنام أكثر من غيره. فقد يكون الحلم إشارة إلى رغبة خفية في طمأنة النفس على استقرار البيت، أو إلى توتر خفيف من مسؤوليات تنتظر الرائي في المستقبل. وليس من العدل أن يتحمل الأب تبعات ما تعرضه النفس من صور رمزية. فالرفق بالأب والثقة به وحسن الظن فيه هي القاعدة التي لا تهزها رؤيا نائم.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، وليس بوسعه أن يخبر عن حقيقة إنسان، ولا يُبنى عليه قرار حقيقي ولا موقف من أحد. والأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بالله وبأبيه، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليطمئن قلبه وليجعل من ذلك الحلم سببًا لمزيد من البر والمودة.
