يرى بعض الناس في منامهم أنهم أُجبروا على شرب الخمر وهم كارهون، فيستيقظون وفي صدورهم ضيق وربما غضب أو خوف. وهذه الصورة تختلف اختلافاً جوهرياً عن الشرب الاختياري، لأن العنصر الأبرز فيها هو الإكراه وغياب الإرادة. ولذلك فإن الأقرب في فهمها أنها تتعلق بالضغوط أكثر من تعلقها بالشراب نفسه. وينبغي أن نذكّر بأن الرؤية رمزية، وأن من أُكره في الحلم لا يُحمَّل شيئاً في يقظته، بل لعل نفسه تعبّر بها عن مشاعر مضايقة يعيشها. فلنقرأ المشهد بتعاطف مع صاحبه وبعيداً عن أي حكم.
الإكراه في لغة الرموز يرمز إلى الضغط والإلزام وفقدان الحرية في الاختيار. ويرى بعض المفسرين أن من رأى أنه يُجبر على أمر لا يرضاه قد يشير ذلك إلى ظروف أو أشخاص يدفعونه إلى قبول ما لا يريد، كوظيفة أو علاقة أو التزام. وحين يكون الأمر خمراً فقد يكون المعنى أن الرائي يخشى أن يُجرّ إلى ما فيه شبهة بسبب ضغط محيطه. وقد يعبّر عن شعور بالعجز أمام نفوذ شخص أو جماعة، أو عن رغبة في قول لا لا يجد لها مجالاً. فالرؤية هنا قد تكون صدى للحاجة إلى حدود واضحة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن ما يقع على الرائي بغير اختياره قد يدل على أمر يأتيه من غيره، بخلاف ما يفعله بإرادته. وذهب بعض المفسرين إلى أن الإكراه على أمر مكروه قد يدل على ابتلاء أو ضيق من جهة ما، وقد يخفف من الأمر أن الرائي كاره له. وقال بعضهم إن كراهة الرائي للشيء في الحلم علامة طيبة تدل على سلامة فطرته ونفوره مما يضر. وفي هذا المجال تتعدد الأقوال، ولا بد من النظر إلى حال الرائي وظروفه.
ويتبدل المعنى تبعاً لمن مارس الإكراه، فإن كان شخصاً معروفاً كمدير أو قريب أو صديق فقد يرتبط التفسير بعلاقة معه فيها ضغط. وإن كان مجهولاً أو جماعة فقد يرتبط بضغوط اجتماعية عامة أو بخوف غامض. وتؤثر طريقة الإكراه، فالإلحاح اللطيف قد يدل على إغراء يُمارس بإقناع، والعنف قد يدل على ضغط شديد. ويؤثر ما فعله الرائي في النهاية، فمن قاوم وأفلت قد يكون قوي الإرادة في واقعه، ومن استسلم قد يكون محتاجاً إلى سند ودعم. وكل ذلك مما يُقدَّر بحسب الحال.
وللرجل قد تدل الرؤية على ضغوط في العمل أو في بيئة الأصحاب تدفعه إلى ما لا يرتاح إليه، وربما إلى مجاملات لا يريدها. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن ضغط في البيت أو من الأقارب يضعها في مواقف لا ترغب فيها، فتحتاج إلى حوار هادئ ووضع حدود لطيفة. وللفتاة غير المتزوجة قد تشير إلى ضغط اجتماعي أو عائلي في اختيار ما لا يناسبها، فتحسن بها الاستشارة والثبات على ما تراه خيراً. وللحامل قد تعبّر عن شعورها بأن الكثيرين يتدخلون في أمورها، وهو شعور شائع. وكلها احتمالات لا ترقى إلى القطع.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي مدى مقاومته، وهل صرخ أو هرب أو استيقظ فجأة، فاليقظة المفاجئة تعبّر عن رفض داخلي قوي. وهل حاول من حوله مساعدته أو تركوه وحيداً، فالمساعدة تدل على وجود سند، والوحدة على حاجة إلى البحث عنه. وهل كان الإكراه في مكان مألوف أم غريب، فالمألوف يربط التفسير ببيئته القريبة. ولا يلزم أن يحمّل الرائي نفسه همّ تذكر كل ذلك، فالمعنى العام يكفي.
ويمكن أن يكون هذا الحلم دعوة إلى مراجعة العلاقات التي تضغط على الإنسان فوق طاقته، وإلى تعلم قول لا بلطف وحزم حين تقتضي الحاجة. فالإنسان مسؤول عن حدوده كما هو مسؤول عن اختياراته، ولا عيب في أن يرفض ما لا يوافق قيمه. وفي هذا المعنى طمأنة لمن يرى الحلم، إذ ليس فيه اتهام بل دعوة إلى الشجاعة الهادئة. وقد يجد الرائي في ذلك فرصة لتقوية إرادته وتنظيم علاقاته على نحو أصح.
وأما الجانب العملي والروحي فهو أن يختار الإنسان صحبة تحترم حدوده وتعينه على الخير، وأن يتدرب على الرفض الودود لما لا يناسبه. وأن يلجأ إلى الله بالدعاء ليثبته ويحميه من ضغوط تضعف عزمه. ومن كان يتعرض فعلاً في حياته لضغط من آخرين لدفعه نحو المسكرات فليبتعد عن تلك البيئة قدر استطاعته، وليتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يدعمه، ولا يتردد في طلب المساعدة. فالقوة ليست في التحمل وحده بل في طلب العون أيضاً.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قابل للخطأ، ولا ينبغي أن يكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو علاقة أو غيرها. فمن رأى هذه الرؤية فليتوجه إلى الله بالدعاء وليحسن الظن به، فهو الحافظ لعباده. والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا نملك أن نجزم بمعنى الحلم، وإنما نتأمل ونتوكل.
