إذا رأى الإنسان في منامه خمراً في بيته، فإن لهذا المكان خصوصية، لأن البيت في الرؤى هو رمز النفس والأسرة والستر والاستقرار. ولذلك تشعر هذه الرؤية صاحبها بقرب أكبر، فتثير فيه قلقاً أكثر مما لو رآها في مكان بعيد. وينبغي أن نؤكد من البداية أنها رؤية رمزية لا تدل على أن في البيت شيئاً من ذلك، ولا أن أحداً من أهله فعل ما يُخشى منه. فالأحلام تستعير الصور ولا تقصد ظاهرها في الغالب. فلنقرأ المشهد بهدوء وطمأنينة وبلا اتهام.
البيت في عالم التعبير يدل على صاحبه وأهله وحاله ورزقه وما يحيط به من ستر، وكثيراً ما يُفسَّر ما يدخل البيت بأنه يتعلق بالأسرة. وإذا ظهرت فيه الخمر فقد يرى بعض المفسرين في ذلك إشارة إلى أمر يدخل على الأسرة فيه شبهة أو غفلة، أو إلى مال أو علاقة تقترب من البيت وتحتاج إلى تدبر. وقد تعبّر الصورة عن قلق على الأبناء أو الأهل من مؤثرات خارجية. وقد تكون كذلك انعكاساً لخوف الإنسان على ستره واستقراره. فالمعنى يدور حول الحماية والتحصين.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن ما يُرى في الدار يدل على حال أهلها وما يدخلها من رزق أو أمر، وهو مما يُنقل على سبيل الاحتمال. وذهب بعض المفسرين إلى أن دخول ما يُحذر منه إلى البيت قد يدل على تنبيه إلى حسن مراقبة ما يدخله ويخرج منه. ومنهم من رأى أن ما يُرى في البيت قد يعكس أحوال صاحبه النفسية أكثر مما يدل على أحوال الأسرة. فتفاوتت الأقوال، ولا بد من النظر في أحوال الرائي وما يمرّ به قبل أي قول.
يتغير المعنى بحسب موضع الخمر في البيت، فإن كانت في المطبخ فقد ترتبط بالرزق والمعاش، وإن كانت في غرفة الجلوس فقد ترتبط بالضيوف والعلاقات، وإن كانت في غرفة النوم فقد ترتبط بالخصوصية والعلاقة الزوجية. وإن كان جالبها أحد أفراد الأسرة فقد يرتبط التفسير بأثره في الجو العام، وإن كانت غريبة عن البيت فقد ترتبط بمؤثر خارجي. ويؤثر شعور الرائي، فالانزعاج قد يدل على غيرته على بيته، والاعتياد على المشهد قد يدل على أن الأمر عابر. ويُنظر إلى ما فعله بها، هل أخرجها أو تركها.
وللرجل رب الأسرة قد تدل الرؤية على مسؤوليته عن بيته ومراقبته لما يدخله من مال وأصحاب وأفكار. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن حرصها على حماية بيتها وأولادها من مؤثرات لا ترضاها، وعن رغبتها في الحفاظ على صفاء الأسرة. وللفتاة غير المتزوجة قد تشير إلى حرصها على سمعة بيتها أو إلى مؤثرات في محيط أسرتها تتطلب حكمة. وللحامل قد تعبّر عن قلق على بيئة المولود القادم، وهذا شعور فطري جميل. وكل ذلك احتمالات لا قطعية فيها.
ومن الدقائق أن يلاحظ الرائي حال البيت في الحلم، هل هو بيته الحقيقي أم بيت يشبهه، وهل هو نظيف مرتب أم مبعثر. فالبيت المنظم قد يدل على قدرة على الضبط، والمبعثر قد يدل على تشتت. وهل كان أهله حاضرين وما شعورهم، فالسكينة تدل على اطمئنان، والاضطراب على تنبه. وهل رأى الرائي الخمر من نافذة أو داخل خزانة أو على طاولة، فلكل موضع ظلال من الستر أو الانكشاف. ويكفي الاحتفاظ بالانطباع العام.
وقد يحمل الحلم دعوة هادئة إلى أن يتفقد الإنسان بيته بالمعنى الواسع، فيتحرى طيب الرزق الداخل إليه، وصلاح الصحبة المقبلة عليه، وسلامة ما يشاهده أهله من محتوى وما يسمعونه من كلام. وليس في هذا اتهام، بل هو من حسن الرعاية التي يُؤجر عليها الإنسان. وهكذا تتحول الرؤية من مصدر قلق إلى دافع للعناية بالأسرة بالحوار والمودة وبناء جو من الثقة. والبيت الذي تسوده المودة يتحصّن بإذن الله.
أما الجانب العملي والروحي فهو أن يحرص الإنسان على الذكر والدعاء في بيته، وأن يتحرى حلال الرزق، وأن يحسن الحوار مع أهله بدل الاتهام والعتاب القاسي. وأن يختار لأبنائه صحبة صالحة ويكون قدوة لطيفة. وإن شعر بتقصير فباب التوبة مفتوح للجميع. ومن كان في بيته من يعاني من المسكرات فمن الرفق أن يتعاملوا معه بمحبة وأن يستعينوا بمختص ويحدثوا شخصاً أميناً، فالدعم الأسري أقوى سند للتعافي.
وقد يختلط في الحلم البيت الحقيقي بصورة بيت آخر، فتأتي الغرف والأثاث من أماكن متفرقة، وهذا من طبيعة المنام. ولذلك فمن الحكمة ألا يتخذ الرائي من الحلم سبباً لسوء الظن بأحد من أهل بيته، فالظن بالأقربين أمانة، والرؤيا لا تصلح دليلاً على شيء. ويكفي أن يأخذ منها تذكيراً عاماً بحسن رعاية البيت بالمودة والذكر، ثم يمضي في يومه مطمئناً إلى حفظ الله لأهله.
وفي ختام الأمر فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في أمر الأسرة أو غيرها. فمن رأى هذا المنام فليدعُ الله وليحسن الظن به، وليطمئن إلى أن حفظه لأهله فوق كل حذر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يصح أن نتهم أحداً بحلم.
