قد تفزع الزوجة حين ترى زوجها في منامها يشرب خمرًا، وقد يتبع ذلك شعور بالخذلان أو الغضب أو الشك، وربما عادت إلى ذهنها أمور صغيرة في تصرفاته فضخّمتها. وهذه الرؤيا تتكرر عند نساء كثيرات ممن أزواجهن من أهل الصلاح والاستقامة، وليست دليلًا على سلوك الزوج في الحقيقة. فتفسير الأحلام رمزي لا حرفي، ولا ينبغي بأي حال أن يُتخذ ما يُرى في النوم حجة لاتهام أحد أو مواجهته أو التشكيك فيه. وليكن الاستقبال بهدوء وتأمل وبقاء المودة كما هي.
والخمر في الرؤى كما يذكره المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه، أو غفلة تُنسي الأولويات، أو فتنة تعرض فتُذهب حسن التدبير، أو أمر يُظن لذيذًا وهو مُضيّع. وحين يظهر الزوج في هذا المشهد فقد تُقرأ الصورة رمزيًا على قلق الزوجة بشأن رزق البيت أو ضغوط العمل أو خوفها من تغير في حياتهما. وقد تعبّر عن مشاعر غير مرئية بينهما كالمسافة أو قلة الحوار أو الانشغال. وقد تكون كذلك من أثر مشهد أو خبر رأته الزوجة في النهار فتداخل مع صورة زوجها. وهذه احتمالات للتأمل لا أحكام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على مال فيه شبهة أو على لهو وغفلة، وأن المعتبر عندهم حال الرائي وما يحيط به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر ملتبس. وقد اختلف المفسرون في هذه الرموز، ومنهم من قال إن ما يراه الرائي في حق غيره لا يُحمل على ذلك الغير حملًا مباشرًا، بل يُنظر فيه إلى نفس الرائي وظروفه. ومن ثم فإن اتخاذ الحلم شهادة على الزوج مخالف لمنهج التحفظ.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن رأت الزوجة زوجها يشرب وهو متضايق أو مكره فقد يتصل الأمر بما يحمله من أعباء وهموم. وإن رأته في مجلس لا تعرفه فقد يرمز إلى قلقها من أصدقاء أو بيئة عمل مجهولة. وإن رأته يرفض الشراب أو يريقه فقد يُفهم منه سلامة حاله وبعده عمّا يشوب. وشعورها بعد الاستيقاظ مهم، فالخوف عليه غير الغضب منه، والأول أقرب إلى المحبة والحرص، والثاني إلى القلق من المجهول.
وللزوجة الحديثة الزواج قد تعبّر الرؤيا عن مخاوف طبيعية من التعرف إلى شريك لم تعرف كل أحواله. وللزوجة التي مرّ على زواجها زمن قد تعكس شعورًا بالفتور أو بتغير في الرتابة. وللحامل قد يزيد الحلم عن غيرها بسبب حساسية الحمل وكثرة التفكير في المستقبل. وفي كل ذلك فإن الأقرب إلى الصواب أن يُنظر إلى الحلم على أنه عن النفس لا عن الزوج.
ومن دقائق الأمر أن تلاحظ الزوجة هيئة زوجها في الحلم، فقد يظهر بصورة غير صورته، أو في مكان لا يعرفه، وهذا يدل على أن المشهد مركب من خيالها. وتنظر كذلك فيما سبق الحلم من نقاش أو خلاف أو سماع حديث عن أمر يتعلق بالموضوع، فهو في الغالب أصل المشهد. ولا يصح الوقوف طويلًا عند التفاصيل ولا بناء قصة عليها، فالأحلام صور متقلبة سريعة تتأثر بمزاج النائم.
والواجب على الزوجة ألا تواجه زوجها بهذا المنام ولا تتهمه ولا تفتش وراءه ولا تغيّر معاملتها له بسببه، فإن الشك المبني على حلم يهدم البيوت بلا موجب. والأحسن أن تدعو له بالصلاح والرزق الطيب والستر، وأن تقوّي أسباب المودة والحوار بينهما. وإن كانت في الحقيقة تلاحظ أمرًا يقلقها فعلًا فلتتحدث إليه بلطف وبعيدًا عن ذكر الحلم، أو تستشر شخصًا حكيمًا موثوقًا. فهذا هو التعامل الواقعي الحكيم.
وعلى المستوى الروحي فلتزد الزوجة من دعائها لزوجها وأسرتها، ولتتحرّ طيب الرزق في بيتها، وتحافظ على الأذكار والطاعات بطمأنينة. وإن كان في بيتها بالفعل مشكلة تتصل بالمسكرات فالمطلوب هو الصبر والرفق وطلب العون من مختص أو من كبير حكيم أو جهة متخصصة، لا الاعتماد على رؤيا. وفي كل حال فلتنظر إلى الحلم على أنه تذكير بالتعاون على الخير بين الزوجين.
ومما ينبغي التنبه له أن العلاقات الزوجية تحتمل الكثير من التأثر بالصور الذهنية، فإذا تسلل الشك إلى القلب بسبب حلم ثم تُرك دون علاج كبر وتحول إلى ظنون تضر بالمودة. ولذلك فمن الحكمة أن تعامل الزوجة هذا الحلم كما تعامل أي خاطر مزعج، فتستعيذ بالله وتتركه وراءها، وتنشغل بما يقرّب بينها وبين زوجها من حديث طيب وجلسة هادئة وتعاون على شؤون البيت. وفي هذا خير للأسرة كلها وسدّ لباب الوساوس.
كما أن الزوج الذي يعلم بأن زوجته رأت مثل هذا الحلم لا ينبغي أن يغضب أو يدافع عن نفسه، بل يطمئنها بلطف ويشاركها همّها، فإن في ذلك ما يعمّق الثقة ويزيل الغموض. والبيوت التي يسودها الحوار والرحمة أقل تأثرًا بما يمر على أصحابها من أحلام مزعجة، وأقدر على تجاوزها بلا أثر.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يخبر عن حقيقة إنسان ولا يُبنى عليه قرار حقيقي في الزواج أو غيره، وقد يخطئ المفسر وإن أحسن. والأولى بالرائية أن تلجأ إلى الدعاء وتحسن الظن بالله وبزوجها، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلتطمئن ولتجعل ما رأت دافعًا لمزيد من المودة والتفاهم.
