يرى بعض الناس في منامهم أنهم منشغلون بإعداد الخمر أو تجهيزها، فيستيقظون وهم في حيرة من هذا المشهد الغريب عن حياتهم. وهذه الرؤية، شأنها شأن غيرها، صورة رمزية يُنظر إليها من جهة المعنى لا من جهة التفاصيل العملية، ولا حاجة لاستحضار أي تفصيل في كيفية العمل نفسه. ومن الواجب التأكيد على أن رؤية هذا المشهد في المنام لا تعني أن الرائي مقصّر أو آثم في واقعه، فالحلم أوسع من الحكم الأخلاقي المباشر. وقد يكون أصل الصورة خبراً سمعه أو مشهداً شاهده أو حديثاً دار حوله، فالنفس تلتقط كل شيء وتعيد ترتيبه في المنام.
الصنع في لغة الرموز يدل على التدبير والتخطيط والجهد المبذول لإخراج شيء إلى الوجود، فإذا ارتبط بالخمر تحولت الدلالة إلى سؤال عن وجهة هذا الجهد. ويرى بعض المفسرين أن الصورة قد تشير إلى سعي في أمر فيه شبهة أو خلط بين الحلال والمشتبه، أو إلى تدبير فكرة يغلب عليها الطيش وقلة النظر في العواقب. وقد تدل كذلك على إنفاق وقت وجهد في ما لا طائل تحته، أو على صناعة موقف يُغري الآخرين ثم يتضح أنه بلا نفع. وكل ذلك احتمالات تُطرح للتأمل، وليست أحكاماً على من رأى. فالمعنى في النهاية يتوقف على حال الرائي وما يدور في حياته.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن من رأى نفسه يعمل في أمر ما فإنه يُفسَّر بحسب نوع ذلك الأمر، فمن انشغل بما فيه نظر كان في ذلك إشارة إلى الحذر في سعيه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مثل هذه الأعمال قد تدل على مال أو منفعة تأتي بتعب وفي طريقها شبهة، مع التأكيد على أن للتأويل أحوالاً. ومن المفسرين من اعتبر المشهد دعوة إلى مراجعة ما يبذله الإنسان من جهد ليتأكد أنه في مكانه الصحيح. وهذا التنوع في الآراء يؤكد أنه لا يوجد قول جامع، وأن الاعتبار الأكبر لسياق صاحب الرؤية.
يتغير المعنى بتغير حال العامل في الحلم، فإن كان الرائي يعمل وهو مستمتع منهمك فقد يكون منجذباً إلى مشروع أو فكرة تأخذ كل وقته. وإن كان يعمل بتردد أو خوف من أن يراه أحد، فقد يعبّر ذلك عن شعور داخلي بأن ما يفعله في الواقع لا يخلو من ريبة. وإن كان يعمل مع آخرين فربما ارتبط المعنى بشراكة أو مجموعة يتأثر بها، وإن كان منفرداً فقد يكون الأمر شأناً شخصياً. ومن الأمور المهمة أن ينظر الرائي إلى النتيجة، هل اكتمل العمل أم تعثر أم أُتلف، فكل ذلك يضيف بعداً للمعنى دون أن يكون حاسماً.
وللرجل قد يشير هذا الحلم إلى انشغاله بمشروع أو تجارة أو فكرة يحتاج فيها إلى وقفة تأمل في أساسها ومصادر تمويلها. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن جهد تبذله في ترتيب أمور البيت أو العلاقات، وربما ترى فيه ما يستدعي المصارحة مع شريكها. وللفتاة غير المتزوجة قد تعكس الصورة محاولتها صياغة خططها وأحلامها في ظل أصوات متعددة تنصحها. وللحامل قد تأتي الصورة من انشغال بالتحضير والاستعداد الذي يشغل الذهن في هذه الفترة، فتختلط الرموز. وكل ذلك مما لا يجزم به.
ومن الدقائق في هذه الرؤية أن يلاحظ الرائي هل كان العمل في مكان معروف كبيته أو مكان عمله أو في مكان غريب. فالمكان المألوف قد يربط التفسير بأمر قريب من حياته، والغريب قد يوحي بأمر بعيد أو جديد عليه. ويُنظر كذلك إلى مشاعره عند الاستيقاظ، فإن غلب الاستغراب فربما كان الحلم عابراً، وإن غلب القلق فربما كان في نفسه ما يستحق المراجعة. ويحسن ألا يستغرق في استحضار تفاصيل المشهد، فالمهم هو المعنى العام الذي يخدمه.
وهناك قراءة أخرى لا تقلّ أهمية، وهي أن الحلم قد يعبّر عن رغبة في الإبداع والإنجاز وعن طاقة تبحث عن مجال تُصرف فيه. فقد يختار العقل صورة غير متوقعة ليقول للرائي إن لديه جهداً يحتاج إلى توجيه نافع. وفي هذه الحال يكون الدرس أن يوجه طاقته إلى ما يرضي الله وينفع الناس، وأن يستثمر وقته في ما يبارك له في رزقه. وبهذا ينقلب المشهد من مصدر حرج إلى فرصة للتأمل في طريقة استثمار الجهد.
وأما الجانب الروحي والعملي فهو أن يحرص الإنسان على ربط سعيه بما يرضي الله، وأن يراجع مصادر رزقه ومشاريعه بقلب هادئ. ويحسن أن يختار شركاءه وأصحابه ممن يعينون على الخير ويذكّرون به، وأن يجعل لنفسه وقتاً للذكر والدعاء. وإن شعر أنه قصّر فباب التوبة والعزم الصادق مفتوح دون حاجة إلى قسوة على النفس. ومن كان يعاني فعلاً من علاقة مضطربة مع المسكرات فمن الرفق بنفسه أن يتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يساعده بسرية وتفهم.
وفي ختام الأمر فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يصلح أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في عمل أو مال أو سواهما. فمن رأى هذه الرؤية فليلجأ إلى الدعاء وليحسن الظن بالله تعالى، فالطمأنينة لا تأتي من تأويل بل من الثقة برحمته. والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا يملك المفسر إلا أن يتلمس المعنى بقدر ما أوتي من فهم.
