من الأحلام التي قد تثير القلق في نفس الرجل أن يرى الخمر في منامه، سواء رآها في كأس أو زجاجة أو مجلس أو على مائدة، وهي رؤيا تتكرر عند كثير من الناس في مراحل مختلفة من حياتهم. وينبغي أن يُعلم من البداية أن تفسير الأحلام باب رمزي لا حرفي، فالصورة التي تظهر في المنام لا تعني بالضرورة أن صاحبها فعل شيئًا أو سيفعله. ورؤية الخمر لا تدل على أن الرائي مقصّر أو مذنب، فقد يراها الصالح كما يراها غيره، وقد تكون من أثر ما شاهده في النهار أو ما دار في خاطره. ولذلك فالأولى أن يستقبل الرجل هذا الحلم بهدوء وتأمل لا بخوف ولا بجزع.
والخمر في لغة الرؤى كما يذكرها المفسرون على سبيل التحفظ ترمز في الغالب إلى المال المشتبه في أصله، أو إلى الغفلة التي تحجب صاحبها عن النظر في عواقب الأمور، أو إلى فتنة تعرض له فتغريه ثم تُذهب صفاء رأيه. وقد تشير أحيانًا إلى أمر يُظن أنه لذيذ ونافع وهو في حقيقته مضيّع للعقل والوقت والجهد. وكل ذلك قراءة رمزية عامة لا تنطبق على كل رائٍ ولا تصحّ بمعزل عن سياقه. فإذا رآها الرجل مسكوبة أو مصروفة عنه فقد يُفهم من ذلك ابتعاده عن أمر مشتبه كان يُعرض عليه.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على مال يأتي من طريق فيه شبهة، وأن شربها قد يُقرأ كأخذ شيء من مكسب مختلف فيه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى مال لا يُنتفع به حق الانتفاع أو إلى لهو يشغل صاحبه. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في تفاصيل هذه الرموز، ولم يتفقوا على تفسير واحد جامع. وكان من أهل العلم من يراعي أحوال الرائي نفسه، فيجعل الصورة الواحدة مختلفة المعنى بين إنسان وآخر بحسب عمله ومعاشه وما يشغل باله.
وتتبدل دلالة الرؤيا تبعًا لتفاصيلها، فليست رؤية الكأس على الطاولة كشربها، ولا شربها طوعًا كشربها مكرهًا. فإذا رأى الرجل نفسه يتناولها وهو كاره متضايق كان ذلك أقرب إلى ضغط يُحيط به من عمل أو علاقة لا يرتاح إليها. وإن رآها فقط من بعيد دون أن يقترب منها فقد تكون إشارة إلى أمر يمرّ حوله ولا يمسّه. ويُنظر كذلك في شعوره بعد الاستيقاظ، وفي من كان حاضرًا معه، وهل كان المكان مألوفًا له أم غريبًا عنه، فكل ذلك يعين على فهم الصورة فهمًا أقرب.
وللرجل العامل في تجارة أو وظيفة قد تكون الرؤيا تنبيهًا رمزيًا إلى التثبت في مصادر الكسب، فيتأمل في عقوده ومعاملاته ويتحرى الوضوح فيها دون أن يتهم نفسه بشيء. وللرجل الذي يعيش ضغوطًا أو إغراءات في بيئته قد تكون الصورة انعكاسًا لقلقه من الانجرار وراء ما لا يرضاه لنفسه. أما من لم يقترب في يقظته من هذا الباب أصلًا فقد يكون الحلم من أحاديث النفس أو مما علق بالذهن من مشهد أو خبر. وكل هذه احتمالات للتأمل وليست أحكامًا قاطعة على أحد.
وللرجل المتزوج قد يُنظر في الرؤيا من جهة الأسرة، فيتفقد رزقه الذي يُطعم به أهله ويحرص على نظافته وبركته. وللأعزب قد تشير الصورة إلى صحبة أو مجلس ينبغي أن يزن أثره عليه بميزان هادئ. وقد يلتفت بعضهم إلى أن الرؤيا جاءت في فترة اتخاذ قرار مهم فتكون تذكيرًا بالتأني. ولا يصحّ أن يُبنى على ذلك شيء من التصرفات العملية، وإنما هو مجرد تأمل يزيد الإنسان وعيًا بنفسه.
ومن دقائق التفسير أن يُنظر في لون الشراب وصفائه وكثرته، وفي الإناء الذي وُضع فيه، وفي حال الرجل لحظة الرؤية: أكان مستمتعًا أم متضايقًا أم مندهشًا. فالقليل غير الكثير، والمنثور على الأرض غير المحفوظ في إناء، وما شعر الرائي حياله بالنفور غير ما شعر نحوه بالرغبة. ويُنظر كذلك فيما جاء بعد المشهد، فإن انتهى بسكينة كان أخفّ من أن ينتهي بفوضى وضياع. وهذه التفاصيل تعين المفسر الحذر على فهم أقرب، لكنها تظل ظنية.
وعلى المستوى العملي والروحي، فخير ما يفعله الرجل بعد هذا المنام أن يزداد حرصه على طيب مكسبه وحسن صحبته، وأن يجدد عزمه على ما يقرّبه من ربه برفق لا بقسوة على نفسه. وليكثر من الدعاء والاستغفار والعمل الصالح، فإن هذه أبواب مفتوحة لكل أحد في كل حال. وإن كان يعاني في واقعه من تعلق بشرب المسكرات فليكن هذا الحلم دافعًا للبحث عن العون عند شخص موثوق من أهله أو أصدقائه أو عند مختص يساعده بعلم ورفق. فطلب المساندة ليس ضعفًا بل هو خطوة شجاعة وحكيمة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظنّي قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات. والأولى بمن رأى ما يزعجه أن يلجأ إلى الدعاء وأن يحسن الظن بربه، فإن علم الغيب عند الله وحده ولا يطّلع عليه أحد من خلقه. فاطمئن أيها الرائي، واجعل ما رأيت دافعًا إلى الخير والتأني، وتوكل على الله في أمرك كله.
