قد يرى الإنسان جاره في المنام وهو يشرب خمرًا، فيستيقظ متعجبًا ثم يتردد حين يلقاه في اليوم التالي عند باب البناية أو في الطريق، وربما شعر بشيء من الريبة لم يكن يعرف لها أصلًا. وهذا الحلم كثير بين الناس لأن الجار من أقرب الوجوه إلى الإنسان وأكثرها ظهورًا في ذاكرته اليومية. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، ولا يدل على حقيقة الجار ولا على سلوكه، ولا يجوز أن يُتخذ دليلًا لاتهامه أو التحدث عنه أو تغيير معاملته. فليستقبل الرائي حلمه بسكينة وحسن ظن.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء الرأي. وحين يظهر الجار في هذا المشهد فقد تُقرأ الصورة رمزيًا على ما يحيط بالرائي من أجواء في محيطه السكني، كضجيج أو خلاف أو صوت مزعج أو حديث سمعه عن الجيران. وقد تكون الرؤيا انعكاسًا لشعور بعدم الارتياح أو القلق من مجاورة ما، أو من أثر الجيرة على الأسرة والأولاد. وقد تكون من أثر موقف عابر مرّ في النهار. وكل هذه احتمالات للتأمل لا أحكام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على مال فيه شبهة أو على لهو وغفلة، وأن المعتبر عندهم حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر ملتبس. وقد اختلف المفسرون في هذه الرموز، ولم يجعلوا ما يراه النائم في حق غيره شهادة عليه، بل حملوه في الغالب على حال الرائي ومحيطه. ومن ثم فإن اتخاذ الحلم حجة على الجار مخالف لروح التحفظ التي عُرف بها أهل هذا الباب.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن رأى الجار يشرب في بيته فقد يتصل الأمر بما يسمعه من أصوات أو يلحظه من حركة. وإن رآه في مجلس غريب فقد يتصل بصورة مركبة من خيال الرائي. وإن رآه يعرض عليه الشراب فقد يُقرأ رمزيًا على ضغط اجتماعي أو إغراء يعرض عليه من محيطه. وإن رآه يرفض الشراب أو يريقه فقد يُفهم منه صفاء الجوار وسلامته. وينظر إلى مشاعر الرائي، فالانزعاج أو الشفقة أو الاستغراب يكشف عن حال نفسه.
وللرجل قد يرتبط الحلم بعلاقته بجيرانه وما يتبادلونه من معروف أو خلاف. وللمرأة قد يتصل بما تسمعه من أحاديث النساء عن الجيران. وللأسرة التي لديها أطفال قد يعبر عن خوف من تأثير الجيرة على الأبناء. وللساكن الجديد قد يعبر عن توجس من محيط غريب. وليس في شيء من هذا ما يدين الجار، وإنما هو انعكاس لعالم الرائي.
ومن دقائق الأمر أن الجار في الحلم قد يظهر بصورة لا تشبهه أو في مكان لا يعرفه، فالعقل في المنام يجمع الوجوه والأماكن بلا ترتيب. وينظر كذلك إلى ما قبل الحلم، كأن يكون قد سمع ضجة أو رأى زيارة أو مرّ بموقف مع الجار. وهذا غالبًا هو أصل الصورة. ولا يليق بالمسلم أن يبني على ذلك سوء ظن أو تجسسًا أو مراقبة لبيت غيره.
والواجب على الرائي أن يحافظ على حسن الجوار كما هو، فيحيّي جاره ويحسن إليه ويكفّ أذاه عنه، ولا يذكر ما رأى لأحد ولا يلمّح به لجاره. والأحسن أن يدعو له بالصلاح والستر والبركة في بيته. وإن كان يزعجه في الواقع أمر حقيقي كالضجيج فليعالجه بالحسنى والحوار المهذب، أو بمشورة من يثق بحكمته، دون أن يكون للحلم ذكر.
ومن الناحية الروحية يحسن بالرائي أن يجعل من هذا الحلم دافعًا لتفقد بيته وأسرته، وتحري الحلال في رزقه، والحرص على بيئة طيبة لأولاده. وليكثر من الدعاء بحفظ بيته وجيرانه من كل سوء. وإن كان في محيطه من يعاني حقيقة من مشكلة مع المسكرات فليتعامل معه بالرحمة والستر وإذا استطاع أرشده إلى من يعينه، ولا يفضحه ولا يشهّر به.
ومما يزيد الطمأنينة أن يتذكر الرائي أن الجوار في الإسلام قيمة عظيمة تقوم على الإحسان وكف الأذى وحفظ الستر، وأن هذه القيم أولى من تتبع الظنون. وكم من علاقة جوار تحسنت بالابتسامة والسلام والهدية البسيطة. فليجعل من حلمه سببًا لمزيد من المودة، لا لمزيد من الريبة. وفي ذلك خير للجميع.
ويحسن التنبيه إلى أن الجيران في كثير من الأحيان يظهرون في أحلامنا لا لأنهم المقصودون بل لأنهم جزء من خلفية يومنا الدائمة، كما تظهر الشوارع والمحال والأماكن المألوفة. فقد يكون حضور الجار في هذا المشهد بلا دلالة سوى أن عقل النائم استعان بوجه مألوف ليملأ به فراغ الصورة. وهذا يفسر لماذا نرى أحيانًا أناسًا لا علاقة لهم بالموضوع أبدًا. ومن ثم فلا داعي لأن يتحول الأمر إلى قضية أو شكوى، ولا أن يثقل على الرائي في علاقته اليومية بمن حوله.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يخبر عن حقيقة إنسان ولا يُبنى عليه قرار حقيقي أو موقف من جار أو غيره، وقد يخطئ المفسر وإن أحسن النية. والأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بالله وبالناس، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليطمئن قلبه وليواصل حسن الجوار بسلام.
