يرى بعض الناس في منامهم أنهم شربوا الخمر فظهر رجال الشرطة أمامهم أو استوقفوهم أو سألوهم، فيستيقظون وهم يشعرون بتوتر وكأن شيئًا ثقيلًا وقع. وهذا الحلم يتكرر كثيرًا عند من يحرصون على الالتزام بالقواعد، ولا يدل على مساءلة حقيقية ولا على شيء سيحدث. فالمنام رمزي ولا يُحمل على ظاهره، ورؤية الخمر لا تعني أن الرائي فعل ما يُلام عليه في يقظته. وكل ما في الأمر أن العقل يمثّل الرقابة الداخلية في صورة رجل يحمل سلطة ظاهرة.
يذكر المفسرون الخمر على أنها قد ترمز إلى الغفلة والفتنة والمال المشتبه وسوء التقدير. أما رجال الشرطة والحراس في الرؤى فكثيرًا ما يُفسَّرون بأنهم رمز للأمان أو للمسؤولية أو للتنبيه إلى رقابة وحساب. وعند اجتماع الصورتين فإن القراءة المحتملة هي أن الحلم يعكس حسًّا داخليًا بالمراقبة ورغبة في الاستقامة. وهذا المعنى مطمئن في جوهره، لأنه يدل على أن ضمير الرائي يقظ، وأنه يحب أن يكون على الصواب في كسبه وسلوكه.
نُسب إلى ابن سيرين أن أهل السلطة والحراسة في المنام قد يدلون على الأمان أو الخوف بحسب حال الرائي، وأن من يرى الحارس قد يرى فيه ما يطمئنه إن كان في خوف، وما يحذّره إن كان في غفلة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى تقارب في المعنى. ومع ذلك فقد اختلف أهل التعبير، ورأى بعضهم أن النظر إلى ظروف الرائي أولى من الاعتماد على تأويل مقرر. فنحن أمام اجتهادات يُستأنس بها ولا يُقطع بها.
وللسياق أثر: هل كان رجال الشرطة قد أنهوا الأمر بلطف أم بشدة، وهل نجا الرائي أم لم يحدث شيء، وهل شرب مختارًا أو مكرهًا، وهل كان معه أصدقاء. فاللطف في الحلم قد يُقرأ على أنه خوف أكبر من الحقيقة، والشدة قد تُقرأ على أنها ضغط داخلي على النفس. وكذلك مشاعر الرائي عند الاستيقاظ، فمن استيقظ مطمئنًا لا يشبه من استيقظ مضطربًا، والأولى أن يُنظر إلى الحلم على أنه صورة وليس تحذيرًا.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن خوفها من أحكام الناس أو أهلها وحرصها على أن تكون في موضع الثقة. وللمرأة المتزوجة قد يعكس مسؤولية البيت وحسّها الرقابي على أبنائها وأسرتها. وللرجل قد يرتبط بالتزامات العمل أو بالخوف من المحاسبة المالية أو الإدارية. وللحامل فهو في الغالب أثر لقلق عام ولا يُحمل على أي معنى يتعلق بالحمل، وعليها أن تهتم بسكينتها وراحتها.
ومن دقائق الحلم: هيئة رجل الشرطة، وهل كان مألوفًا أم غريبًا، وهل تكلم أم اكتفى بالنظر، وهل كان في مكان عام أم خاص. فالنظر الصامت قد يدل على شعور بالمراقبة لا على فعل، والمكان العام قد يدل على الحساسية من نظرة الناس، والخاص قد يدل على محاسبة النفس. وكل هذا تأمل محتمل ولا يرقى إلى الجزم، ولا يعني أن مواقف مثل هذه ستقع.
ولا بد من التأكيد هنا على أن مشاهد الشرطة والمساءلة في الأحلام كثيرة جدًا حتى عند من لم يخالفوا شيئًا في حياتهم، وهي غالبًا ما تأتي في فترات الضغط والمسؤولية وانتظار النتائج. فمن رآها فلا يظن بنفسه سوءًا ولا يخاف من حدوثها، بل يرى فيها علامة على حس مرهف تجاه ما يحيط به. والمفيد أن يتعامل معها بهدوء، فيراجع التزاماته الفعلية بطمأنينة ويتم ما نقص منها.
ويمكن أن يكون الحلم فرصة لتأمل معنى الرقابة الحقيقية، وهي رقابة الله التي يستحضرها المؤمن في سره وعلنه، فتورثه سكينة لا خوفًا مرضيًا. فالمسلم يعلم أن ربه رحيم يقبل التوبة ويعفو عن كثير، وأن استحضار هذه الصفة يطرد القلق. وبهذا يصير المشهد المخيف دافعًا إلى الاستقامة بلا اضطراب، وإلى الاعتدال بلا وسواس.
وعمليًا ينبغي الحذر في الكسب والصحبة، وتجديد التوبة والعزم على الخير برفق دون جلد للذات. وإن كان الرائي يعاني فعلًا من تعاطي المسكرات ويخشى تبعاته، فليتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يدعمه في الإقلاع، فهذا أحسن ما يفعله لنفسه ولأسرته.
وقد يتأمل الرائي كذلك في الفارق بين الرقابة الخارجية التي تمثلها الشرطة في الحلم والرقابة الداخلية التي يمثلها الضمير الحي. فالأولى قد تُخيف، والثانية تُهذب وتُطمئن. ومن رأى هذا المشهد فليسأل نفسه بهدوء: هل أحرص على ما يرضي ربي في كسبي وصحبتي، وهل أعطي كل ذي حق حقه. فإن وجد الجواب مطمئنًا فليحمد الله، وإن وجد نقصًا فليسدّه بلا عجلة ولا هلع، فإن الإصلاح التدريجي أثبت من الاندفاع الذي يعقبه فتور.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار حقيقي، وليس في هذا الحلم ما يدل على استدعاء أو محاسبة في الواقع. فليدعُ الرائي ربه بالسداد وحسن الظن به، وليذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن رحمته وسعت كل شيء.
