قد يرى الإنسان في منامه أنه شرب خمرًا ثم قام يصلي، فيستيقظ وفي نفسه مزيج من الحيرة والتأثر والتساؤل عن معنى هذا الجمع الغريب بين المشهدين. وهذا الحلم يتكرر عند من يعيشون صراعًا بين رغبات النفس وميل القلب إلى الطاعة، أو عند من تأثروا بموقف جعلهم يفكرون في الرجوع. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، فلا يدل على أن الرائي فعل أمرًا غير لائق في الواقع، ولا هو حكم على صلاته أو حاله. فليستقبل الحلم بهدوء ورجاء.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء الرأي. والصلاة بعدها قد تُقرأ رمزيًا على رجوع النفس إلى مقام السكينة بعد لحظة غفلة، أو على ميل فطري إلى إصلاح الحال، أو على رغبة في أن يجمع المرء بين دنياه وطاعته على وجه يرضيه. وقد يعبر الحلم عن تجاذب داخلي بين ما تهواه النفس وما تطمئن إليه. وقد يكون من أثر لقاء أو حديث عن الصلاة والتوبة. وكل ذلك احتمالات للتأمل لا أحكام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على كسب فيه شبهة أو لهو وغفلة، وأن حال الرائي هو المعتبر في الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو أمر ملتبس. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل ذلك، ومنهم من رأى أن اقتران الرؤيا بالصلاة قرينة تلطف من معناها وتميل بها إلى الرجوع. ولكن لا أحد منهم يجعل الحلم حكمًا على صلاة أو قبولها، فهذا أمر لا يطّلع عليه إلا الله.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن صلى الرائي بخشوع وهدوء فقد يُقرأ ذلك رمزيًا على سكينة وصفاء. وإن صلى وهو مضطرب أو مشتت فقد يعبر عن قلق داخلي يحتاج إلى تهدئة. وإن صلى في جماعة فقد يتصل الأمر بحاجته إلى صحبة صالحة. وإن صلى وحده في مكان هادئ فقد يتصل بحاجته إلى خلوة وتأمل. ويُنظر إلى مشاعره عند الاستيقاظ فهي من أصدق القرائن.
وللشاب قد يرتبط الحلم بتجاذب بين ما يعرض عليه من أقرانه وما تربى عليه. وللمتزوج قد يتصل بمحاولة التوازن بين عمله وبيته وطاعته. وللمحافظ على صلاته قد يكون الحلم صدى لعادته التي تتسلل إلى منامه في كل صورة. وللمرأة قد يتصل بما تحمله من رغبة في الثبات. وليس في ذلك ما يدين أو يزكي أحدًا.
ومن دقائق الأمر أن يُنظر إلى ترتيب المشهدين، فإن جاءت الصلاة بعد الشراب مباشرة فقد يُقرأ ذلك رمزيًا على سرعة الرجوع، وإن فصل بينهما زمن أو حدث فقد يتصل بمراحل متعاقبة في حياة الرائي. وينظر كذلك إلى حال الرائي قبل نومه، فربما كان قد صلى قبل أن ينام أو سمع ذكر الصلاة. وتبقى هذه التفاصيل ظنية لا تعدو أن تكون قرائن.
وعمليًا فخير ما يفعله الرائي أن يستثمر هذا الحلم في تقوية صلته بصلاته وعباداته، فيحافظ عليها بخشوع، ويتحرى طيب مكسبه، ويختار صحبته بعناية. وليكثر من الدعاء بالثبات والتوفيق. وليتذكر أن الصلاة صلة بين العبد وربه تُرجى بركتها في كل حال. وإن شعر بتقصير فليبدأ بخطوات صغيرة ثابتة بلا قسوة على نفسه.
ومن الناحية الروحية فلا ينبغي أن يجعل الرائي الحلم دليلًا على نقص في صلاته أو على قبولها، فهذا من الغيب. والأحسن أن يجعله دافعًا لمزيد من الإقبال، وأن يترك الحكم لله. وإن كان في واقعه يعاني من تعلق بالمسكرات رغم محافظته على صلاته فليطلب العون من شخص موثوق أو مختص، فهذا لا يتعارض مع الطاعة بل هو من الأخذ بالأسباب.
وقد يجد الرائي في هذا الحلم فرصة ليتأمل أن باب الرجوع إلى الله لا يُغلق، وأن الصلاة هي أقرب الأبواب وأيسرها. فمن تعثر لا يزال له أن ينهض ويقيم صلاته ويستأنف طريقه. وهذه الفكرة وحدها كافية لتبعث في النفس الأمل. فليحتفظ بها وليدع الحلم يمضي.
ومما يحسن ذكره أن الجمع في المنام بين مشهد الشراب ومشهد الصلاة قد يكون من أبسط أنواع الأحلام تفسيرًا، فالنفس البشرية تتقلب بين ميول متعارضة، والمنام يعرض هذا التقلب في صورة مشاهد متجاورة. وليس في هذا العرض ما يخيف أو يدين، بل هو من طبيعة الإنسان الذي يتجاذبه الخير وما يغريه. ومن حسن الفهم أن ينظر الرائي إلى الحلم على أنه مرآة لهذا التجاذب، ثم يختار لنفسه في اليقظة أن ينحاز إلى ما ينفعه، مستعينًا بربه ومتوكلًا عليه.
ولا بأس أن يتذكر الرائي أن المحافظة على الصلاة في وقتها، والجلوس مع أهل الخير، والإكثار من الذكر، كلها من الأسباب التي تعين على صفاء النفس وهدوء الأحلام. فمن اعتاد الطهارة قبل النوم والذكر عند الاضطجاع وجد في نفسه سكينة أكثر. وهذه آداب لطيفة يعرفها المسلمون ويستأنسون بها، وهي لا تحتاج إلى تكلف ولا إلى خوف.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يصلح أساسًا لقرار حقيقي، ولا يُبنى عليه حكم على صلاة أو حال أحد عند ربه، وقد يخطئ المفسر وإن أحسن النية. والأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بالله، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليطمئن قلبه وليواصل طاعته بسكينة وأمل.
