يرى بعض الناس في منامهم أنهم شربوا الخمر ثم نالهم عقاب أو جزاء، كأن يُحاسبوا أو يُلاموا أو يُحرموا من شيء، ويستيقظون وهم يحسّون بثقل واضح في النفس. وهذا حلم يتكرر عند من يشتد عليهم ضميرهم، ولا يعني أن عقابًا سيقع في الواقع. فالمنام رمزي ولا يُحمل على ظاهره، ورؤية الخمر لا تعني أن الرائي فعل ما يُلام عليه. وكثيرًا ما يعبّر العقل بهذه الصورة عن لوم الذات وحرصها الشديد على الصواب، وهو حرص يستحق التقدير لا الخوف.
يذكر المفسرون الخمر على أنها قد ترمز إلى الغفلة والفتنة والمال المشتبه. أما العقاب أو الجزاء في المنام فقد يُفهم عند بعضهم على أنه تنبيه إلى حساب النفس أو إلى نتيجة قرار قريب. وإذا اقترنا فالقراءة المحتملة هي أن الرائي يشعر بتبعة أمر ما ويُسقطها على صورة عقاب يتخيله. وليس في هذا إخبار بشيء من الغيب، بل تعبير عن ميزان داخلي دقيق. ومن لا يملك ميزانًا كهذا قد لا يرى مثل هذه الأحلام أصلًا.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجزاء في المنام قد يحمل وجوهًا مختلفة بحسب حال الرائي، ومنها التنبيه إلى حسن التدبير، وقد يرى بعضهم فيه أمرًا يتعلق بالمال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من رأى عقوبة في نومه قد يُحذَّر من تقصير أو يُبشَّر بكفارة همّه. وكثر الاختلاف بين أهل التعبير في ذلك، وبعضهم قال إن حال الرائي وما يكتنف حياته هو ما يحدد المعنى. ولذا نُعيد هنا أن هذه آراء محتملة لا قاطعة.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإذا كان العقاب في الحلم خفيفًا أو رمزيًا كالتوبيخ فقد يُفهم على أنه لوم داخلي رقيق، وإذا كان شديدًا فقد يُفهم على أنه قلق مرتفع أو خوف مبالغ فيه. ويُنظر إن كان الرائي قد شرب مختارًا أو مكرهًا، وإن كان من يعاقبه شخصًا مألوفًا أو مجهولًا، وإن كان قد ندم وتاب في الحلم أو بقي في خوف. وإذا استيقظ مطمئنًا فهذا يدل على أن الصورة عابرة لا أكثر.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى حرصها الشديد على إرضاء أهلها والمجتمع، وإلى خوفها من التقصير أمامهم. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن أنها تحاسب نفسها بشدة على أمور البيت والأبناء، وتحتاج إلى أن ترفق بنفسها. وللرجل قد يرتبط بضغط المسؤولية ورغبته في ألا يخطئ في حق أحد. وللحامل فهو في الغالب أثر لقلق الأمومة وتقلب المشاعر، فلا تُحمّل الحلم أي معنى مخيف وعليها بالراحة والدعاء.
ومن الدقائق: من الذي نفذ العقاب في الحلم، وما نوعه، وهل انتهى بمسامحة أم بقي معلقًا، وهل رأى الرائي في ذلك حكمة أم ظلمًا. فإذا انتهى بالمسامحة فقد يُقرأ على أنه رجاء في العفو، وإذا شعر بالظلم فقد يعني أنه يحاسب نفسه أكثر من اللازم. وأحيانًا يكون العقاب في الحلم مجرد شعور بالحبس أو الحرمان، ومعناه حينئذ الضيق من القيود لا أكثر. وكل ذلك تأمل مفتوح.
ويجدر التذكير بأن الدين الإسلامي يربّي أتباعه على التوازن بين الخوف والرجاء، فلا يُترك الإنسان للإفراط في الخوف حتى ييأس، ولا يُترك للأمن الزائد حتى يغفل. ولهذا فالأحلام التي تجنح إلى جانب الخوف قد تكون دعوة لاستعادة الميزان بتذكر سعة رحمة الله وقبوله للتوبة. فمن رأى ذلك فلا يجعله باب يأس، بل مفتاحًا للأمل وحسن الظن بربه.
ومما يفيد الرائي أن يفرّق بين الندم البنّاء الذي يدفع إلى الإصلاح، وجلد الذات الذي يشل الحركة ويُورث الحزن بلا ثمرة. فإذا كان الحلم قد نبّهه إلى شيء يستحق الإصلاح فليبدأ بخطوة صغيرة واضحة ويثق بأن الله يعين من يصدق. وأما إن لم يكن هناك شيء بعينه فليحمل الحلم على أنه تعبير عن حساسية الضمير، وليشكر الله على يقظته وليمضِ بخفة.
وعمليًا يُنصح بالحذر في الكسب والصحبة، وبتجديد التوبة والعزم على الخير برفق دون قسوة على النفس. وإن كان الرائي يعاني فعلًا من تعاطي المسكرات ويثقل عليه الشعور بالذنب، فليتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يعينه، فالدعم يخفف العبء ويُيسّر الخطوة الأولى نحو التغيير.
ومن المناسب أن يُذكَّر الرائي بأن كثيرًا من الأحلام المتعلقة بالجزاء والمحاسبة تأتي عند من نشأوا في بيئات شديدة في التربية، أو عند من يحملون صرامة زائدة مع أنفسهم، فيستمر صوت اللوم في داخلهم حتى في المنام. وهذا لا يعني خللًا، بل يعني أن النفس تحتاج إلى قدر من اللين والتسامح مع الذات. فليحاول الرائي أن يعامل نفسه كما يعامل صديقًا عزيزًا أخطأ، بنصح لطيف ورجاء في الخير، لا بقسوة ولا بإنكار.
وخلاصة القول إن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار حقيقي، وليس في هذا الحلم ما يدل على عقوبة قادمة. فليُقابله الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وليتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه سبحانه غفور رحيم يقبل من تاب ويعفو عن كثير.
