يرى بعض الناس في منامهم أنهم كانوا في مجلس خمر فنشب شجار وتبادلوا الصراخ أو التدافع مع من حولهم، ثم استيقظوا وفي نفوسهم انقباض. وهذا الحلم من الأحلام الصاخبة التي قد تترك أثرًا في المزاج صباحًا، ولا ينبغي أن يُحمل على ظاهره. فالمنام رمزي في أصله، ولا يخبر عن خلاف سيقع في الواقع، ولا يعني أن الرائي ارتاد مجلسًا أو فعل ما يُلام عليه. وكثير من مشاهد الشجار في الأحلام ليست إلا تعبيرًا عن تعارض بين رغبتين داخل النفس.
يذكر المفسرون الخمر على أنها قد ترمز إلى الغفلة والفتنة والمال المشتبه وسوء التقدير، ويذكرون الشجار على أنه قد يرمز إلى خلاف أو نزاع أو تنافس. فإذا اجتمعا كانت الصورة عندهم تدور حول معنى الخلاف الذي يتفاقم بسبب غياب الحكمة والتروّي. وليس معنى هذا أن الرائي طرف في خصومة قائمة، بل الأقرب أن الحلم يعبّر عن توتر محتمل في دائرة قريبة، أو عن رغبة الرائي في تفادي أي صدام قبل أن يقع. وهو بذلك أقرب إلى دعوة لطيفة للحذر في الكلام.
نُسب إلى ابن سيرين أن الخصومة في المنام قد تدل على منازعة أو منافسة، وأن السكر قد يزيدها حدة بسبب قلة الصبر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مثل هذه الصور قد تدل على كثرة اللغط والقيل والقال. ومع ذلك اختلف أهل التعبير في هذه التفاصيل، فمنهم من رأى في الشجار علامة على همّ يتبدد، ومنهم من رأى فيه تنبيهًا إلى حفظ اللسان. ولهذا فإن الأنسب أن يُنظر إلى هذه الأقوال على أنها آراء محتملة يُستأنس بها ولا تُتخذ حكمًا.
يختلف المعنى بحسب سياق الحلم. فإن كان الرائي هو الطرف المعتدي فقد يُقرأ على أنه خوف داخلي من الاندفاع، وإن كان هو المعتدى عليه فقد يُقرأ على أنه شعور بالضغط من الآخرين. وإن تدخّل من يفضّ الشجار فقد يدل ذلك رمزيًا على وجود من يصلح بين الناس في محيطه. كما يُنظر إن كان الرائي قد شرب مختارًا أو أُجبر، وإن كان الحاضرون يعرفونه أو غرباء، وإن استيقظ مرتاحًا أو منزعجًا، فهذه القرائن توضّح اتجاه المعنى أكثر من لفظ الخمر وحده.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى تعارض بين ما تريده وما يريده أهلها أو صديقاتها، وإلى حاجتها إلى أسلوب هادئ في التعبير عن رأيها. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن توترات صغيرة متراكمة في البيت أو مع الأقارب تحتاج إلى حوار. وللرجل قد يرتبط بالمنافسة في العمل أو بخلاف مع شريك أو قريب. وللحامل فهو في الغالب أثر للتعب وتقلب المزاج، ولا يُبنى عليه شيء من القلق على أسرتها أو حملها.
ومن الدقائق التي يمكن أن تُلاحظ: سبب الشجار الظاهر في الحلم، فقد يكون كلمة أو مالًا أو مكانًا أو مجرد شعور غامض بالظلم. ويُنظر هل انتهى الأمر بمصالحة أم بقي معلقًا، وهل أصيب أحد أم لم يحدث شيء. فالمصالحة قد تُقرأ على أنها ميل داخلي إلى السلم، وبقاء الخلاف معلقًا قد يشير إلى موضوع لم يُحسم في اليقظة. وكل ذلك قراءة رمزية مفتوحة، تبقى بعيدة عن الجزم.
وينبغي أن يتذكر الرائي أن الأحلام الصاخبة كثيرًا ما تنشأ بعد يوم مليء بالأخبار أو بالكلام الحاد أو بالمشاهد العنيفة على الشاشات، فيُعيد العقل ترتيبها في صور غريبة. ولذلك فإن أول ما يُنصح به هو تخفيف ما يُرهق الذهن قبل النوم، والحرص على ذكر الله وسكينة القلب. وإن وجد الرائي في يقظته خلافًا فعليًا فليتناوله بلين وحكمة، دون أن يربطه بالحلم أو يعدّه نبوءة.
وعمليًا، يُستحسن الحذر في الكسب وفي الصحبة، فمجالس اللغو والجدال تأخذ من القلب ولا تعطيه. ويُستحب تجديد التوبة والعزم على الخير برفق دون إحساس بالذنب المبالغ فيه. وإن كان الرائي يعاني من تعاطي المسكرات في واقعه، أو من نوبات غضب تؤدي إلى مشاجرات، فليستعن بشخص يثق به أو بمختص، فالمساعدة طريق وليست وصمة.
ويذكر بعض أهل التأويل أن الجماعة إذا اختلفت في الحلم وتعالت أصواتها فإن ذلك قد يرمز إلى تعدد الآراء داخل النفس نفسها، كأن الرائي يسمع في داخله أصواتًا متضاربة بين الرغبة والواجب، وبين الراحة والجهد. وبهذا المعنى لا يكون الشجار مع الآخرين بل مع الذات، ويكون الحل بتهدئة هذه الأصوات وترتيب الأولويات وطلب الهداية. وهذا فهم هادئ يخفف من وقع الصورة ويجعلها فرصة للتأمل بدل أن تكون مصدر خوف.
وخلاصة الأمر أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يكون سندًا لقرار حقيقي في العلاقات أو العمل أو المال. فمن رأى هذا المنام فليدعُ ربه بالسداد وحسن الظن به، وليتذكر أن الغيب من خصائص الله وحده، وأن حلمًا عابرًا لا يملك أن يقدّر ما سيجري.
