يحدث أن يرى الإنسان في منامه أنه جالس في مطعم وعلى المائدة خمر أو في قائمة الطلب، فيتساءل عن علاقة الطعام والمطعم بهذه الصورة. والمطعم في الأحلام موضع للرزق والاختيار والضيافة، فهو يمثل ما يُعرض على الإنسان من نصيب في الدنيا. وحين تظهر فيه الخمر يمتزج معنى الرزق بمعنى الحذر، فيسأل الرائي عما يريده الحلم منه. وينبغي أن نقول إن الرؤية رمزية وليست حكماً على أحد، وقد يراها من يتناول الطعام خارج بيته كثيراً ومن لا يفعل. فلنقرأها بوعي هادئ.
يرتبط المطعم في الرموز بالأرزاق والاختيارات اليومية والعلاقات العابرة، فهو مكان يُقدَّم فيه ما يشتهيه الناس بحسب أذواقهم. وإذا كانت الخمر ضمن ما يُعرض فقد يرى بعض المفسرين أن الرائي أمام خيارات في رزقه أو معاشه بعضها مشوب بالشبهة، أو أمام عروض متنوعة يحتاج فيها إلى ميزان واضح. وقد تدل الصورة على مجاملات تحدث في الأعمال والاجتماعات على موائد الطعام. وقد تعبّر عن رغبة في التنوع والتجربة. فهي في مجملها تدور حول الاختيار بين المتاح.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الطعام على المائدة يدل على الرزق بحسب نوعه وصفائه، وأن ما فيه من اختلاط قد يدل على اختلاط في المعاش. وذهب بعض المفسرين إلى أن المائدة العامة تدل على أمور مشتركة بين الناس، وأن ما عليها يدل على أحوال الجالسين. وقال بعضهم إن الاقتصار على الطعام الطيب دون المشتبه علامة سلامة. وهذه أقوال متفاوتة لا تخلو من احتمال، فلا ينبغي أن نجعل منها قواعد جامدة، بل نستأنس بها في ضوء حال الرائي.
يتغير المعنى بتغير موقع الخمر على المائدة، فإن كانت أمام الرائي مباشرة فقد تدل على قربه من الاختيار، وإن كانت على مائدة أخرى بعيدة فقد تدل على أمر يدور حوله دون أن يمسه. وإن طلبها النادل أو عرضها ورفضها الرائي فقد يدل على نجاة بحسن الاختيار، وإن طلبها هو فقد يدل على ميل إلى ما يعرض. ويؤثر نوع المطعم، فالفخم قد يدل على رزق واسع في ظاهره، والبسيط على معاش عادي. وكذلك مرافقوه على المائدة، فهم يضفون على الرؤية دلالة علاقة معهم.
وللرجل قد تدل هذه الرؤية على اجتماعات عمل أو صفقات تُعقد على موائد الطعام وما يرافقها من مجاملات يحسن فيها الاعتدال والحكمة. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن مناسبات عائلية أو خروج مع الأسرة وما يرافقه من اختيارات متعددة. وللفتاة غير المتزوجة قد تشير إلى مواعيد أو لقاءات تحتاج فيها إلى الحذر وحسن اختيار الرفقة. وللحامل قد تعبّر عن رغبات الطعام المعروفة وتقلب الشهية، فلا يكون للخمر معنى خاص. وكلها احتمالات تُحمل على السعة.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي ما كان على المائدة غير الخمر، فالطعام الشهي الطيب قد يوحي بخير يخالطه تحذير، والطعام الرديء قد يوحي بتعب. وهل كان المطعم مزدحماً أم هادئاً، وهل كان الجرس أو الموسيقى مزعجين، فكل ذلك يعطي صورة عن مزاج الحياة المحيطة. وهل دفع الرائي الحساب أم دفعه غيره، فالدفع قد يعبّر عن تحمل المسؤولية، وتحمل الغير له قد يعبّر عن سند. ولا يلزم إلا الانطباع العام.
وفي الأمر معنى آخر لطيف هو أن الإنسان في هذه الدنيا بين موائد كثيرة يتخير منها، وأن الحكمة في أن يأخذ الطيب وينصرف عن غيره بلا تكلف. وهذا الدرس في الرزق عامة، فالمائدة تتسع للطيب والمشتبه، والعاقل من ميّز بينهما. وقد يكون الحلم دعوة إلى الامتنان لنعمة الطعام والرزق، وإلى تحري الأطيب منه. وبهذا ينقلب المشهد من صورة محيّرة إلى تذكير بحسن الاختيار.
أما الجانب العملي والروحي فهو أن يتحرى الإنسان طيب مطعمه ومكسبه، وأن يحرص على الدعاء بالرزق الحلال، وأن يختار من يجالسهم على موائد الطعام. وأن يتعلم الاعتذار اللطيف عما لا يناسبه، فذلك من حسن الأدب. وإن شعر بتقصير فليعد بعزم هادئ، فالتوبة باب مفتوح. ومن كان يعاني في واقعه من اعتياد على المسكرات في المناسبات فمن الحكمة أن يتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يعينه، ولا حرج في طلب الدعم.
وقد يكون هذا الحلم ببساطة انعكاساً لخروج الرائي إلى مطعم قريباً أو لحديث عن دعوة طعام قادمة، فالذهن يعيد تركيب هذه المشاهد بصور متداخلة. وإذا كان الأمر كذلك فلا يحتاج إلى تفسير عميق، ويكفي الرائي أن يستحضر نعمة الرزق ويشكر الله عليها. أما إن رأى أن الحلم يتكرر ويقترن بقلق حقيقي من أمر في معاشه، فعندئذ يحسن به أن يراجع ما يشغله بهدوء ويستشير من يثق بحكمته.
وفي الختام فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. فمن رأى هذا المنام فليدعُ الله وليحسن الظن به، فهو الرزاق الكريم الذي يعلم ما يصلح عباده. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا نقطع بمعنى ولا نبني عليه شيئاً.
