يرى بعض الناس في منامهم نهرًا تجري فيه الخمر بدل الماء، يمتد أمامهم أو يمرّ بجوار بيوتهم أو يسيرون على ضفتيه، فيستيقظون وقد أدهشهم هذا المشهد المختلف. وهو حلم من الأحلام الغريبة التي يختلط فيها المألوف بغير المألوف، ولا يعني أن الرائي فعل ما يُلام عليه. فالمنام رمزي ولا يُحمل على ظاهره، ورؤية الخمر فيه لا تنبئ بحدث. ويبقى الحديث عنه عامًا لأن الصور الخيالية كهذه لا تقبل التحديد، ولا يصح أن يُقال فيها كلام قاطع ولا أن تُنسب إلى أمر من أمور الغيب.
يذكر المفسرون الخمر على أنها قد ترمز إلى الغفلة والفتنة والمال المشتبه، ويذكرون النهر على أنه رمز للرزق الجاري وللمنفعة المستمرة وللخير الممتد بحسب ما يجري فيه. وإذا اجتمعا فقد تُقرأ الصورة على أنها تدفق مستمر لما فيه شبهة، أو على أن الرزق قد يأتي من وجوه لا تخلو من التباس فيحتاج إلى تدقيق. وهذه قراءة احتمالية عامة تدعو الرائي إلى تحري الطيب في كسبه، وتذكّره بأن النهر الذي يجري فيه غير الماء لا يروي الظمأ.
نُسب إلى ابن سيرين أن النهر في المنام قد يدل على رزق أو على رجل صاحب سلطان أو نفع بحسب ما يجري فيه وما يحيط به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تغير ما في النهر عن الماء قد يُقرأ على تغير حال ما يدل عليه. وقد اختلف أهل التعبير في ذلك اختلافًا واضحًا، فمنهم من اعتنى بصفة الماء ومنهم من اعتنى بموضع النهر، ولم تستقر عندهم قاعدة ثابتة. ولهذا كانت هذه الأقوال اجتهادات يُستأنس بها ولا تُعدّ أحكامًا.
وللسياق أثر كبير في الفهم. فإن كان الرائي يمشي على ضفة النهر ولا يقترب منه فقد يُقرأ ذلك على حذره، وإن كان يغترف منه فقد يدل على ميل إلى ما يُغري، وإن كان يرى الناس يشربون منه فقد يدل على ما يراه من انجراف الناس وراء المغريات. ويُنظر إن كان النهر صافيًا أم عكرًا، وإن كان جاريًا أم راكدًا، وإن كان قريبًا من بيته أم بعيدًا. وشعور الرائي عند الاستيقاظ هو أصدق القرائن.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن شعورها بأن الفرص والمغريات تجري أمامها بلا توقف وهي تتحير في اختيار ما يناسبها. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بتدفق المطالب والمسؤوليات اليومية. وللرجل قد يرتبط بمصادر دخل متعددة يحتاج إلى تدقيق طيبها. وللحامل فهو في الغالب أثر لتداعي الأفكار والتحضيرات، ولا يُبنى عليه ما يقلقها، وعليها أن تطمئن وتأخذ قسطًا من الراحة.
ومن الدقائق: اتجاه جريان النهر، وهل كان يقترب من الرائي أم يبتعد عنه، وهل كانت ضفافه خضراء أم قاحلة، وهل كان هناك جسر أو مركب. فاتجاه الابتعاد قد يُقرأ على أنه زوال ما كان يشغله، والاقتراب قد يُقرأ على أن الأمر يلحّ عليه، والخضرة قد تدل على بقاء الخير حوله رغم كل شيء. وكل ذلك قراءات احتمالية مفتوحة لا يُبنى عليها يقين.
ويحسن الانتباه إلى أن الأحلام الغريبة التي يتبدل فيها طبع الأشياء، فيجري النهر بغير الماء، هي في الغالب من نسج العقل في النوم، وليست رسائل ذات معان محددة. فالعقل يمزج بين الصور بحرية لا يملكها في اليقظة، فتولد مشاهد عجيبة. ولا حاجة إلى أن يتعب الرائي نفسه في تحميلها دلالة ثقيلة، فإن الأحلام الكثيرة تذهب مع الصباح ولا يبقى منها إلا الانطباع.
ومن العبر الجميلة أن الماء الصافي هو أصل الحياة، وأن ما سواه قد يُغري لكنه لا يروي، فمن أحسن الاختيار نال العافية وبركة العمر. وهذه الفكرة تذكّر الإنسان بأن يختار لنفسه ما ينفع قلبه وجسده ودينه من صحبة وعمل وراحة، وألا ينخدع ببريق ما لا يدوم. وفي هذا المعنى طمأنينة ورفق، فهو لا يوجّه اتهامًا بل يرشد إلى الأنفع.
وعمليًا يُنصح بالحذر في الكسب والصحبة، وبتجديد التوبة والعزم على الخير برفق. وإن كان الرائي يعاني فعلًا من تعاطي المسكرات، فليتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يدعمه، فمن أراد الارتواء الحقيقي وجد في بدائل الخير الكثير، وعون الله مع من صدق.
وقد يلاحظ الرائي أن الأنهار في الأحلام ترمز عند كثيرين إلى مسيرة الزمن وتدفق الأيام، فهي تمرّ ولا تعود، ومن هنا قد يكون الحلم تذكيرًا بقيمة الوقت وبأن العمر يجري. وبهذا المعنى يصبح مشهد النهر دعوة هادئة إلى استثمار الأيام فيما ينفع، دون أن يُراد به تخويف ولا تحميل لأمر بعينه. ولعل أجمل ما يفعله المرء عند هذا الإحساس أن يخصص وقتًا لما يحب من الخير، وأن يشكر الله على ما أنعم عليه من صحة وفراغ.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار حقيقي، وليس في هذا الحلم دلالة قاطعة على شيء. فليقابله الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وليتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه سبحانه يرزق من يشاء ويبارك في الطيب من الرزق.
