قد يرى الإنسان في منامه أنه يقدّم كأس الخمر لشخص آخر، فيتساءل عن دلالة هذا الفعل الذي يجعله في موضع المانح لا الشارب. وتختلف هذه الرؤية عن شرب الخمر لأن مركز الصورة فيها هو العلاقة بين الرائي والمتلقي، وليس الرائي وحده. وينبغي أن نؤكد أن الحلم رمزي ولا يدل على أن الرائي فعل شيئاً أو أنه سيضر أحداً، فالأحلام ليست حكماً. وقد يكون المشهد من أثر مناسبة حضرها أو خاطر مرّ به، فلنقرأه باعتدال وطمأنينة.
التقديم في عالم الرموز يدل على العطاء والتأثير والتعامل مع الآخرين، وعلى ما يعرضه الإنسان عليهم من فكرة أو مال أو خدمة. فإذا كان المقدَّم خمراً رأى بعض المفسرين فيه إشارة إلى أن الرائي قد يعرض على الناس ما فيه شبهة أو لهو، أو يدلّهم على أمر لا يخلو من نظر. وقد يعبّر كذلك عن مجاملة تدفعه إلى مسايرة من حوله، أو عن حرص على إرضائهم ولو على حساب نفسه. وقد يكون فيه معنى الضيافة والكرم الاجتماعي بصورة رمزية. فالمعنى يتأرجح بين التنبيه والمجاملة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن من يعطي في الحلم فإنه يُنظر إلى ما يعطيه ومن يعطيه، فقد يدل ذلك على أثره في ذلك الشخص. وذهب بعض المفسرين إلى أن من قدّم ما فيه شبهة قد يكون له دور في توجيه الآخرين إلى أمر لا خير فيه، ويقولون هذا على سبيل التنبيه إلى حسن النصح. ومنهم من نظر إلى هوية الشخص المتلقي أكثر من الفعل، فالتقديم للأب يختلف عن التقديم للغريب. وهذا يبيّن أن المعنى متعدد الوجوه ويرتبط بالسياق ارتباطاً وثيقاً.
يتغير المعنى بحسب من تلقّى الكأس، فإن كان الأب أو الأم فقد يرتبط بعلاقة الرائي بهما وبما يعرضه عليهما من أمور. وإن كان صديقاً فقد يرتبط بأثر الرائي في أصحابه أو بما يشاركهم فيه. وإن كان رئيس عمل فقد يرتبط بسعي لإرضاء من فوقه، وإن كان غريباً فقد يرتبط بعلاقات جديدة. ويؤثر هل قبل المتلقي الكأس أو رفضه، فالقبول قد يوحي بانسجام، والرفض قد يوحي بأن ما يعرضه الرائي لا يلقى ترحيباً. وشعور الرائي بالراحة أو الحرج له وزنه.
وللرجل قد تدل الرؤية على تعامل مع الآخرين في تجارة أو عمل، وعلى أنه يعرض عليهم ما يحتاج إلى مراجعة صدقه ووضوحه. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن اهتمامها بإرضاء أهل بيتها وضيوفها، وعن ضغط مجاملات تثقل كاهلها. وللفتاة غير المتزوجة قد تشير إلى سعيها لكسب رضا من حولها أو تقديم نفسها لشخص ما، فتحرص على أن يكون ذلك بميزان العقل والحياء. وللحامل قد تعبّر عن انشغالها بالاستعداد لاستقبال الضيوف والأهل، وهو أمر شائع. وكل ذلك احتمالي.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي ما دار بينه وبين المتلقي من كلام، وهل كان في المشهد حرج أم ألفة. وهل قدّم الخمر بيده أم أرسلها مع غيره، فالإرسال قد يدل على أثر غير مباشر. وهل كان يعلم أن الشخص يرغب فيها أم قدّمها من تلقاء نفسه، فالأولى قد تشير إلى تلبية طلب، والثانية إلى مبادرة. وهل كان المكان بيتاً أو مجلساً عاماً، فللمكان أثره في توجيه الدلالة.
وقد يحمل هذا الحلم دعوة هادئة إلى التفكير في مسؤولية الإنسان عما يقدمه لمن حوله، من كلمة أو مشورة أو مثال. فكل منا يؤثر في غيره بقدر ما، والحكمة أن يكون هذا الأثر نافعاً. وليس في ذلك تحميل بالذنب، بل دعوة إلى الانتباه لكيفية التعامل مع الناس بصدق ونصح. ويمكن أن يكون الحلم مناسبة للتأمل في أساليب الكرم والضيافة وما يليق بها من رفق وإحسان.
وأما الجانب العملي والروحي فهو أن يتحرى الإنسان في ما يعرضه على الناس من أقوال وأفعال ما ينفعهم ولا يضرهم، وأن يكون ناصحاً أميناً لمن يصاحبهم. وأن يتجنب المجاملة التي تجرّ إلى ما لا يرضي الله، وأن يختار مجالس الخير. وإن شعر بتقصير فليراجع نفسه برفق، وباب التوبة مفتوح. ومن كان يعاني في واقعه من ارتباط بالمسكرات أو يُحيط به من يعاني فليتحدث إلى من يثق به أو إلى مختص، فالدعم الحقيقي أثمن من أي مجاملة.
ومن زاوية أخرى فإن بعض أحلام التقديم تعكس طبيعة صاحبها الكريمة التي تحب أن تسعد من حولها، فيتجسد هذا الميل في صورة كأس يقدَّم. ولا بأس بهذا الميل في أصله، فهو من حسن الخلق، وإنما المهم أن يُوجَّه إلى ما ينفع الناس حقاً من إكرام وإعانة وكلمة طيبة. وقد يكون اختيار الخمر رمزاً في الحلم لشيء آخر تماماً، كأن تكون المجاملة التي يخشى الرائي أن تتحول إلى عبء. فإذا وجد في نفسه ميلاً إلى إرضاء الجميع فليتعلم الموازنة بين الكرم وبين حفظ نفسه وحدوده.
وفي الختام فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصلح أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في علاقة أو عمل أو مال. فمن رأى هذا المنام فليدعُ الله وليحسن الظن به، فهو الذي يصلح الأحوال. والغيب لا يعلمه إلا الله، وليس لأحد أن يقطع فيه بشيء.
