قد تستيقظ فتاة غير متزوجة من حلم رأت فيه خمراً، فيتولاها القلق وتتساءل هل في الأمر ما يُنقص من قدرها أو ينذر بسوء. وأول ما ينبغي أن يقال لها إن الأحلام لغة رمزية لا ميزان لأعمالها، وإن رؤية الخمر لا تدل على أنها فعلت شيئاً أو ستفعله. فالفتيات في مراحل الدراسة والعمل والتفكير في المستقبل كثيراً ما يرين صوراً مختلفة تعبّر عن مشاعر القلق والتطلع. فلتطمئن، ولتتعامل مع الرؤية بهدوء، وبنظرة تبحث عن المعنى لا عن الاتهام.
في كتب التعبير ارتبطت أحلام الفتاة غير المتزوجة غالباً بشؤون الاختيار والخطبة والصحبة والمستقبل، فإذا ظهرت الخمر قرأها بعض المفسرين على أنها إشارة إلى عرض أو علاقة أو صحبة فيها ما يستحق التأمل. وقد تدل على إغراء يلوح لها في طريقها، أو على شخص يبدو لطيفاً ويحتاج إلى سؤال عن حاله وخلقه. وقد تعبّر كذلك عن توتر الاختيارات في هذه المرحلة، بين رغبات وتوقعات وأصوات متعددة من الأهل والأصدقاء. وهي قراءة تدور حول التثبت وحسن الاختيار، لا حول اتهام.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن للمرأة في الرؤيا أحكاماً تتصل بحالها وبمن يتصل بها من أهل وزوج، وأن ما تراه يُنظر فيه إلى سياقها. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما تراه الفتاة من أمور مشتبهة قد يدل على تنبيه في أمر الخطبة أو الارتباط، وأن الأولى لها أن تتحرى حال من يتقدم إليها. ورأى آخرون أن لحياة الفتاة النفسية الأثر الأكبر في صور أحلامها. وكل ذلك يُنقل على سبيل الاحتمال، فالمعوّل على فهم حالها بنفسها ومع أهلها.
يتغير المعنى بحسب تفاصيل المشهد، فإن رأت الخمر من بعيد دون أن تقترب منها فقد يدل على علم بوجود خيار أو إغراء من غير انجذاب إليه. وإن عُرضت عليها فرفضت فقد يدل على ثباتها على مبادئها وحسن تصرفها. وإن شربت وهي نادمة فقد يعبّر عن خوف من خطأ أو تردد، وإن أراقتها فقد يعبّر عن رغبتها في التخلص من ما يشغلها. ويؤثر شعورها، فالطمأنينة تدل على خير، والخوف يدل على الحذر. وكذلك وجود أحد من أهلها أو غرباء في المشهد.
وللفتاة في مرحلة الدراسة قد تدل الرؤية على ضغوط الامتحانات وبيئة الجامعة أو المدرسة، وعلى ضرورة اختيار الرفيقات الصالحات. وللفتاة العاملة قد تعبّر عن أجواء الزمالة وما فيها من مجاملات تحتاج إلى حكمة وحياء. وللمخطوبة قد تشير إلى قلق طبيعي قبل الزواج وما يرافقه من أسئلة عن المستقبل، فتلجأ إلى الاستخارة والحوار الصريح. وإن كانت تفكر في عرض معين فيحسن أن تستشير أهل الخبرة والصلاح. وكل ذلك احتمالات لا تُعدّ حكماً على أحد.
ومن الدقائق أن تتذكر هل كانت وحدها أم مع أحد، وهل شعرت بالأمان أم بالتوتر، وهل ارتبط المشهد بشخص بعينه تعرفه. فإذا ظهر شخص معروف فقد يكون الحلم انعكاساً لانشغالها به أو بالحديث عنه لا أكثر. وهل كان المكان بيتاً أو مدرسة أو مكاناً غريباً، فلكل مكان ظلال. وهل ارتدت لباساً خاصاً أو كانت في مناسبة، فقد يضيف ذلك إلى الصورة. ولا داعي لإرهاق النفس بتذكر كل شيء.
ويحسن أن تعلم الفتاة أن كثيراً من أحلام هذا الباب مصدره أحاديث الناس وأخبارهم وما تراه في وسائل الإعلام والتواصل، فالنفس في سن الشباب تتلقى كثيراً من الصور. وقد يكون الحلم محاولة لترتيبها لا أكثر. ولذلك فلا ينبغي أن تحمل همّاً ولا أن تخشى على سمعتها بسببه، فهو أمر بينها وبين ربها لا يطلع عليه أحد. والأجدر أن تتعامل معه كحديث نفس تمرّ به ثم تتجاوزه بالدعاء والاطمئنان.
أما الجانب العملي والروحي فهو أن تتحرى الفتاة في صحبتها وبيئتها ما يعينها على الخير، وأن تحافظ على صلتها بربها بالذكر والدعاء، وأن تستشير أهلها وأهل الصلاح في قراراتها الكبيرة بلا تردد. وألا تتعجل في قبول عرض قبل السؤال والتثبت، وأن تجعل الاستخارة عادة عند الحيرة. وإن شعرت بتقصير فتعود إلى ربها بلطف دون جلد للنفس. وإن كانت تعاني فعلاً من ضغوط أو من تعلق بالمسكرات فلتتحدث إلى من تثق به من أهلها أو إلى مختصة تعينها بسرية واحترام.
ومما ينبغي أن تستحضره الفتاة أن الحياء والستر من أجمل ما يميز الإنسان، ولا تعارض بينهما وبين طلب فهم الأحلام، فلها أن تسأل ولها أن تكتفي بالدعاء. كما أن من الخير ألا تُكثر من قصّ الأحلام التي تقلقها على كل من حولها، بل تخصّ بها من تثق بحكمته من أهلها. وبهذا تحفظ سكينتها وتتعامل مع الرؤية كأمر خاص بينها وبين ربها يُطمأن إليه بالذكر والدعاء.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في خطبة أو دراسة أو عمل أو علاقة. فمن رأت هذا المنام فلتدعُ الله ولتحسن الظن به، فهو أعلم بما يصلحها. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يصح أن يخيف أحداً حلم عابر.
