قد يرى الأب أو الأم ابنهما في المنام يشرب خمرًا، فيستيقظان على خوف وحزن وحيرة، وربما عادت إلى ذهنهما كل مخاوف التربية والغربة والصحبة. وهذا الحلم يتكرر عند آباء وأمهات أبناؤهم من أصلح الناس، وسببه في الغالب شدة الحرص عليهم. وينبغي أن يُعلم أن التفسير رمزي لا حرفي، وأن ما يُرى من حال الغير في المنام لا يصلح دليلًا على حقيقته. فلا يجوز أن يكون هذا الحلم باعثًا على اتهام الابن أو مواجهته أو تفتيش شؤونه بلا مبرر.
والخمر في الرؤى كما يذكرها المفسرون بحذر ترمز إلى مال مشتبه أو غفلة أو فتنة أو أمر يُذهب صفاء العقل. وحين يظهر الابن في هذا المشهد فقد يُقرأ ذلك رمزيًا على قلق الوالدين من مؤثرات العصر وأصدقاء السوء وكثرة الإغراءات. وقد يعكس خوفًا من أن ينشغل الابن عن دينه ودراسته أو أن تجرفه التيارات. وقد يكون كذلك صدى لقصة سمعها الوالد عن شاب ضلّ طريقه فتجسّدت في صورة ابنه. وهذه قراءات نفسية رمزية لا تنفي أن الحلم مجرد حديث نفس.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخمر قد تدل على مال فيه شبهة أو على لهو وغفلة، وأن النظر إلى حال الرائي مقدم على ظاهر الصورة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخمر قد ترمز إلى فتنة أو ما يُذهب العقل. وقد اختلف المفسرون في هذه التفاصيل، وكان من أهل العلم من يحمل رؤية الأبناء على همّ الوالدين وعنايتهم أكثر من حملها على حال الأبناء. وفي هذا ما يخفف من وطأة الحلم ويمنع سوء الظن.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل، فإن رأى الوالد ابنه يشرب وهو كاره أو متضايق فقد يرمز ذلك إلى ضغط يمر به الابن، أو إلى قلق الوالد عليه. وإن رآه في مجلس غريب فقد يتصل ذلك بغربة الابن أو سفره أو دخوله بيئة جديدة. وإن رآه يرفض الشراب أو يراقه فقد يُقرأ ذلك رمزيًا على ثباته وسلامته. ويُنظر في مشاعر الرائي، فالخوف عليه علامة محبة، لكنه ليس علامة على وقوع شيء.
وللأم قد يكون الحلم أشد وقعًا لأن عاطفتها أرق، فتكثر عندها مثل هذه الصور وقت قلقها على ابنها. وللأب قد يرتبط بمسؤولية التربية والخوف من التقصير. وللوالدين الذين ابنهم مسافر أو بعيد قد يعبّر عن الشوق والخوف من المجهول. وليس في ذلك ما يدين الابن، وإنما هو صدى لعلاقة عميقة مشحونة بالرجاء والخشية.
ومن دقائق الأمر أن يُنظر هل ظهر الابن بهيئته المعروفة أم بهيئة طفولته أو بصورة مختلفة، فكثيرًا ما تتبدل ملامح الأبناء في الأحلام وتتداخل أعمارهم. وهذا يدل على أن المشهد من تركيب الخيال لا من نقل الواقع. وينظر كذلك فيما قبل النوم من أخبار أو نقاشات عن الشباب والمسكرات، فهو غالبًا سبب الحلم. ولا يليق الوقوف عند كل التفاصيل وبناء قصص عليها.
والواجب على الوالدين ألا يواجها الابن بما رأيا ولا يتهماه ولا يحققا معه، فإن ذلك يكسر ثقته بهما ويدفعه إلى الإخفاء وربما إلى ما يُخشى منه. والأحسن أن يزيدا من دعائهما له بالصلاح والثبات، وأن يقتربا منه بالحوار الهادئ والمودة، ويسألاه عن حاله وصحبته بلطف عام لا يشعره بالاتهام. فذلك أنفع للتربية من أي حلم.
ومن الجانب الروحي فليتفقد الوالدان طيب رزقهما ودعاءهما، وليجعلا الحلم حافزًا لمزيد من الدعاء لأبنائهما والتقرب منهم. وإن كان لديهما قلق حقيقي ناتج عن ملاحظات واقعية فالأجدى أن يستشيرا شخصًا حكيمًا أو مختصًا في تربية الأبناء ويتعاملا مع الأمر برفق وحكمة. ولا يصح أن يكون المنام سببًا لقرارات حاسمة أو عقوبات.
ومما يحسن ذكره أن الأبناء في كل زمان تعرضوا لمؤثرات كثيرة، وأن الله يحفظ بفضله من يشاء، وأن الدعاء من أعظم ما يملكه الوالدان. فكم من قلق تبدد وكم من خوف لم يقع، وكم من ابن كان كما أرادا بفضل الدعاء وحسن التربية والصبر. فليكن هذا الحلم باعثًا على الأمل لا على اليأس.
ويحسن بالوالدين كذلك أن ينتبها إلى أن الأبناء يشعرون بقلق آبائهم حتى لو لم يصرّحوا به، وأن كثرة الشك والمراقبة قد تأتي بنتائج عكسية. فالابن الذي يشعر بالثقة يميل إلى الصراحة والاستشارة، أما الذي يشعر بالاتهام فقد يلجأ إلى الإخفاء. ولذلك فإن خير ما يُبنى على هذا الحلم هو مزيد من الحضور في حياة الابن، من جلوس معه وسماع منه وتشجيع له وتعويده على الصلاة والقراءة والرياضة وصحبة الأخيار، دون أن يعلم أن وراء ذلك حلمًا. وهذا من أفضل ما يُقدَّم لهم.
وإن اشتد القلق في نفس الرائي بعد الحلم فلا حرج أن يسأل عن ابنه سؤال الأب الحريص أو الأم الحنون في أمور عامة، كسؤاله عن يومه وأصدقائه ودراسته، دون تلميح إلى الحلم. فإن ظهر أمر حقيقي يحتاج إلى معالجة تعامل معه بحكمة وبمشورة أهل الخبرة، أما إن لم يظهر شيء فليُحسن الظن ويطمئن.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يخبر عن حقيقة إنسان ولا يُبنى عليه قرار حقيقي، وقد يخطئ المفسر وإن أحسن النية. والأولى بالرائي أن يلجأ إلى الدعاء ويحسن الظن بالله وبابنه، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليطمئن قلبه وليواصل رعاية ابنه بالحب والدعاء.
