يرى بعض الناس في منامهم أنهم أخذوا قليلًا من الخمر في أفواههم ثم لفظوها أو لم يبتلعوها، فيستيقظون وهم يتذكرون الطعم ويتساءلون عن معنى الاكتفاء بالتذوق. وهو حلم يحمل في طياته معنى التوقف، ولا يعني أن الرائي فعل ما يُلام عليه. فالمنام رمزي ولا يُحمل على ظاهره، ورؤية الخمر أو تذوقها فيه لا تنبئ بحدث. وكثيرًا ما تدل مثل هذه الصور على أن النفس اقتربت من أمر ثم تراجعت، وهذا في ذاته معنى طيب يستحق التأمل.
يذكر المفسرون الخمر على أنها قد ترمز إلى الغفلة والفتنة والمال المشتبه وسوء التقدير. وأما التذوق دون ابتلاع فيُفهم عند بعضهم على أنه اطلاع على الأمر أو اقتراب منه مع تجنب تبعته. وعلى هذا فقد تُقرأ الصورة على أن الرائي يعرف الأمر المشتبه ولا يغوص فيه، أو أنه تعرّض لإغراء ثم نجا منه، أو أنه اطلع على كسب فيه التباس وتوقف قبل أن يدخل فيه. وهذه قراءة احتمالية متفائلة، لكنها تبقى في دائرة التأمل لا الجزم.
نُسب إلى ابن سيرين أن من ذاق شيئًا ولم يبتلعه فقد يكون ما يدل عليه ذلك الشيء قد مسّه من غير أن يستقر عنده، وذهب بعض المفسرين إلى أن لفظ المكروه من الفم قد يدل على التخلص منه. وقال النابلسي فيما يُنقل عنه ما يقارب هذا في بعض الصور. لكن أهل التعبير لم يتفقوا على صيغة واحدة، ورأى بعضهم أن الأمر يعود إلى حال الرائي وما في نفسه. ولذلك فنحن أمام اجتهادات تُقرأ للاستئناس، ولا تُتخذ قاعدة.
وللسياق أثر كبير. فإن لفظ الرائي الخمر بنفور فقد يُقرأ ذلك على أن فطرته ترفض ما لا يليق، وإن لفظها بتردد فقد يُقرأ على أن في نفسه ميلًا يحتاج إلى مجاهدة. ويُنظر إن كان ذاق باختياره أو بإكراه، وإن كان هناك من شجعه أو من منعه، وإن بقي في فمه أثر أو غسله بماء. وشعوره بعد الاستيقاظ، من ارتياح أو ندم أو فضول، هو أصدق القرائن، إذ يكشف مدى قرب الرمز من نفسه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن إغراء عرض عليها فاقتربت منه ثم قررت التوقف، وهو شعور شائع في مرحلة الاختيار. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بفضول نحو أمر ثم تراجع عنه. وللرجل قد يرتبط بفرصة كسب نظر فيها ثم أعرض عنها لعدم اطمئنانه. وللحامل فهو في الغالب أثر لتغير التذوق وحذرها من الأطعمة والأشربة، ولا يُبنى عليه ما يقلقها، وعليها أن تتابع غذاءها مع طبيبها.
ومن الدقائق: كم بقي من الخمر في الفم قبل لفظها، وهل شعر الرائي بحرقة أو مرارة، وهل تمضمض بعدها. فالتمضمض والغسل قد يُقرآن رمزيًا على حرص على تنقية الأثر، وبقاء الطعم قد يدل على أن الأمر ما زال في ذهنه. وإذا لفظها فورًا دون تفكير فقد يدل على سرعة في الإعراض. وهذه كلها تأملات احتمالية ولا يلزم منها شيء في الواقع، ولا تُنبئ بغيب.
ومن الفوائد العملية أن هذا الحلم يعلّم أن الإنسان قد يقترب من الشيء فيعرفه دون أن يقع فيه، وأن التراجع في أي مرحلة خير من الاستمرار، وأن باب الرجوع مفتوح قبل الخطوة الأخيرة وبعدها. وهو معنى مشجع لمن يحاول ترك عادة أو الابتعاد عن مجلس أو الانسحاب من صفقة، إذ يدل على أن التراجع ممكن ولا حرج فيه. فليأخذ الرائي منه التشجيع لا الإحساس بالتقصير.
وقد يكون الحلم استجابة بسيطة لفضول عابر، كأن يكون الرائي قد رأى مشهدًا في فيلم أو سمع حديثًا عن أمر فتساءل في نفسه عن طعمه، ثم ظهر الأمر في المنام. وفي هذه الحال لا ينبغي أن يُحمَّل الحلم أكثر من حجمه، فالفضول جزء من الفطرة الإنسانية، والمهم هو الثبات عند الاختيار. ومن أحس بميل شديد في يقظته فليتحدث إلى من يثق به قبل أن يتحول الفضول إلى عادة.
وعمليًا يُنصح بالحذر في الكسب والصحبة، وبتجديد التوبة والعزم على الخير برفق. وإن كان الرائي يعاني فعلًا من تعاطي المسكرات، فليتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يدعمه، فالتراجع الذي رآه في الحلم يمكن أن يتحقق في اليقظة بالعزم والعون، والله يعين من صدق.
ومن زاوية قريبة، يلاحظ بعض الدارسين أن الأحلام التي يتراجع فيها الإنسان في اللحظة الأخيرة تدل في الغالب على حيوية الضمير وسلامة آلية الكبح الداخلية، وهي من أنفع ما يملكه المرء في مواجهة المغريات. وهذه آلية تقوى بالممارسة والمجاهدة والبيئة الطيبة، وتضعف بالإهمال والصحبة السيئة. فمن رأى هذا الحلم فليشكر الله على ما في نفسه من حس يميّز، وليعمل على تقوية هذا الحس بالذكر والعلم والصحبة النافعة والمراجعة الهادئة.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُعتمد عليه في قرار حقيقي، وليس في هذا الحلم دلالة قاطعة على حال أو مآل. فليقابله الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وليتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه سبحانه يقبل التوبة ويعفو عن كثير.
