يستيقظ بعض الناس من حلم رأوا فيه كأس خمر وقد صار عصيراً حلواً، وهي صورة طريفة تحمل في طياتها معنى التحول إلى الأحسن. ولأن العصير مشروب مألوف خفيف يرتبط بالصحة والحيوية، فإن الانتقال من الخمر إليه يوحي بانتقال من أمر ثقيل مقلق إلى أمر خفيف مقبول. ومع ذلك فالتفسير رمزي لا يُجزم به، والحلم ليس وعداً بحدوث شيء ولا دليلاً على حال الرائي في يقظته. فمن رأى الخمر ثم رآها عصيراً فليتأمل المعنى بهدوء وانشراح ويحفظ المعنى العام دون التفاصيل.
العصير في الرموز كثيراً ما يرتبط بالنعمة الخفيفة والمنفعة التي تأتي بعد جهد، ويرتبط بالفاكهة التي هي أصل الخير في المنام عند كثير من المفسرين. فإذا تحولت الخمر إليه فقد يرى بعضهم في ذلك إشارة إلى زوال شبهة وحلول منفعة، أو إلى تحول إغراء مضر إلى فرصة نافعة. وقد يدل على تحسن في حال من كان يخاف على عمله أو مكسبه أو سلوكه. وقد يعبّر عن رغبة داخلية في التخفف مما يثقل الصدر والتحول إلى ما يناسب الفطرة. فالمعنى هنا يميل إلى البشرى الرفيقة التي لا تصل إلى الجزم.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الفواكه وعصيرها قد تدل على رزق ومنفعة بحسب نوعها، وهو مما يُنقل على سبيل الإشارة. وذهب بعض المفسرين إلى أن تبدل المشتبه إلى المباح في الرؤيا قد يدل على سلامة ونجاة بإذن الله، ويقول آخرون إن ذلك قد يدل على تيسير بعد عسر. ومنهم من ربط الأمر بحال الرائي وبما يشغله، فمن كان في ضيق يختلف عمن كان في سعة. وهكذا نرى أن الأقوال تتنوع، وليس فيها ما يصلح قاعدة صارمة في هذا الباب.
يتغير المعنى بتغير نوع العصير ولونه وطعمه، فالعصير الحلو الصافي قد يعبّر عن منفعة سلسة، والعصير المخلوط قد يعبّر عن أمر فيه تعدد أو تشعب. ويؤثر كذلك من كان وراء التحول، فإن كان الرائي نفسه فقد يكون له يد في تغيير مسار، وإن كان بدون سبب فقد يكون لطفاً من الله يأتيه. ويُنظر أيضاً إلى ما إذا شرب الرائي العصير أو اكتفى برؤيته، فالشرب قد يعبّر عن استفادة فعلية، والرؤية عن بشارة تنتظر. كما يُلحظ شعور الفرح والدهشة عند الاستيقاظ.
وللرجل قد تدل الرؤية على تحول أمر مالي مشتبه إلى أمر واضح مقبول، أو على انتقال إلى عمل أو صحبة أحسن. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن تحسن الأجواء في البيت وانتقال الحال من توتر إلى هدوء بحسب ما في نفسها. وللفتاة غير المتزوجة قد تشير إلى تحول في فكرة أو علاقة إلى ما هو أنسب وأطيب لها. وللحامل قد تعبّر عن رغبتها في الصحة والحيوية، فالعصير في أحلامها كثيراً ما يرتبط بالتوق إلى الانتعاش. وهذه الأمور كلها احتمالات تُستأنس بها ولا يُبنى عليها.
ومن التفاصيل الجميلة أن يتذكر الرائي لون العصير ورائحته، فالبرتقالي مثلاً قد يرتبط بالدفء والنشاط، والأخضر بالنضارة والأمل، والأحمر بالحيوية. وهل كان العصير بارداً منعشاً أم فاتراً، وهل قُدّم له في إناء نظيف أم في غيره. ويُلاحظ إن كان معه أحد يشاركه، فالمشاركة قد تعني أن الخير مشترك. لكن لا ينبغي أن يتشدد الرائي في استخراج كل دلالة، فربما كانت بشرى عامة تغني عن التفصيل.
وقد يكون في الحلم معنى أعمق عن إمكان تحويل الإنسان لأحواله بإرادته وبتوفيق الله، فكل ما نعتبره ثقيلاً قد نتمكن من تغييره بصبر وتدرج. والتحول من الخمر إلى العصير هو صورة للانتقال من ما يضعف الإنسان إلى ما يقويه، وهذا معنى يستحق أن يتأمله من يحب أن يرتقي بحاله. فلا يرى الرائي في المشهد مجرد طرافة بل دعوة هادئة إلى اختيار ما ينفع وترك ما لا ينفع. وهذا المعنى يلقى قبولاً في النفس لأنه يبعث على التفاؤل.
وأما الجانب العملي والروحي فهو أن يستثمر الإنسان هذا الشعور الإيجابي في خطوات حقيقية، كتحسين كسبه واختيار صحبته وتنظيم وقته. وأن يحمد الله على كل تحول إلى الأفضل ويسأله الثبات، وأن يتجنب التسرع واليأس معاً. وإن رأى تقصيراً في نفسه فليتب وليعزم بلا قسوة. ومن كان يعاني في واقعه من ارتباط بالمسكرات فمن الحكمة أن يتحدث إلى شخص يثق به أو إلى مختص يعينه، فالتحول الحقيقي يبدأ بقرار ويكتمل بدعم.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قابل للصواب والخطأ، ولا يجوز أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. فمن رأى هذا المنام فليحمد الله وليحسن الظن به وليكثر من الدعاء. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا نملك إلا أن نتفاءل ونتوكل عليه سبحانه.
