من الأحلام اللطيفة أن يرى الإنسان خمراً بين يديه ثم يراها وقد تحولت إلى ماء صافٍ، فيستيقظ وفي نفسه مزيج من الدهشة والارتياح. وهي رؤية تنقل المشهد من الالتباس إلى الصفاء ومن الشبهة إلى الوضوح، ولذلك يسأل عنها كثيرون ويرجون فيها خيراً. ومع هذا ينبغي أن نقول إن التفسير يبقى رمزياً، وإن الحلم لا يصدر حكماً على أحد ولا يثبت وقوع شيء. فمن رأى الخمر لا يُنسب إليه تقصير، ومن رأى تحولها لا يُجزم له بشيء، وإنما هي صور تُتأمل بسكينة ويُستأنس بها فحسب.
الماء في الرؤى من أجمل الرموز، فهو يرتبط بالحياة والصفاء والرزق والطهارة، وقد ذُكر في كتب التعبير بوجوه حسنة كثيرة بحسب حاله. فإذا تحول إليه الخمر رأى بعض المفسرين فيه إشارة إلى زوال شبهة وحلول وضوح، أو إلى تحول أمر مشتبه إلى أمر صافٍ، أو إلى نجاة من فتنة. وقد يدل على عودة الصفاء إلى عمل أو علاقة كانت مشوبة بالقلق، أو على انقلاب الإغراء إلى منفعة. وهكذا تبدو هذه الرؤية في عمومها أخف وطأة وأقرب إلى الطمأنينة، مع بقاء التفسير احتمالاً لا يقيناً.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الماء الصافي قد يدل على الحياة والخير والعلم بحسب حاله وموضعه، وهو مما يُنقل باحتياط. وذهب بعض المفسرين إلى أن تحوّل ما يُذم إلى ما يُحمد قد يدل على تبدّل الحال إلى الأفضل، أو على توبة وعودة. ومنهم من نظر إلى الأمر من جهة سبب التحول، فإن كان بيد الرائي فهو سعي منه، وإن كان بغير سبب ظاهر فهو لطف يأتيه. وفي كل ذلك لا يتفق الجميع، فالمعوّل على سياق الرائي وما في نفسه من أحوال وأحاسيس.
يتغير الفهم بتغير كيفية التحول، فإن جرى أمام عينيه في هدوء فقد يدل على تغير متدرج ومريح، وإن جرى بسرعة فقد يدل على فرج مفاجئ أو تحول لم يكن في الحسبان. وإن كان الرائي هو من تسبب بالتحول بدعاء أو حركة فقد يعبّر عن إرادته في التغيير، وإن كان من تلقاء نفسه فقد يعبّر عن لطف أو توفيق. وشعوره مهم، فالفرح والامتنان يوحيان بانشراح، والدهشة المحضة قد تعني أن الأمر لم يتضح بعد. وحضور من حوله يضيف بعداً، فقد يكون التغيير مشتركاً مع آخرين.
وللرجل قد تدل هذه الرؤية على صفاء يعود إلى مصدر رزقه أو علاقاته، أو على نجاته من ورطة كان قلقاً منها. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن زوال كدر في البيت وعودة الألفة وتحسن الأحوال بحول الله. وللفتاة غير المتزوجة قد تشير إلى وضوح في أمر كانت متحيّرة فيه أو إلى صرف ما لا يناسبها عنها. وللحامل قد تعبّر عن ارتياحها وطمأنينتها وتقبلها للمرحلة الجديدة، فالماء في أحلام الحوامل كثيراً ما يرتبط بالسكينة. وهذه كلها قراءات احتمالية رفيقة.
ومن التفاصيل التي تثري الصورة صفاء الماء ونظافة الإناء، فالصافي النظيف يوحي بتمام التحول، والعكر قد يوحي بأن الأمر لم يكتمل. ويُلحظ هل شرب الرائي من الماء بعد التحول، فالشرب قد يرمز إلى قبول هذا الصفاء والاستفادة منه. وهل بقي أثر لون أو رائحة من الخمر، فبقاؤه قد يرمز إلى أن بقايا الأمر لم تنتهِ كلياً. وهل كان المشهد في مكان مفتوح كحديقة أو في مكان ضيق، فالانفتاح قد يوحي بسعة وانشراح.
ويمكن أن نرى في هذا الحلم تعبيراً عن أمل يسكن النفس، فالنفس التي تتوق إلى التغيير الإيجابي كثيراً ما ترسم في المنام صورة له. وليس في هذا ما يستغرب، فالإنسان يحمل في داخله رغبة في الصفاء والتصحيح حتى وإن لم يعلنها. وقد يكون الحلم دعوة إلى تحويل هذه الرغبة إلى خطوات حقيقية صغيرة، كتحسين عادة أو إصلاح علاقة أو مراجعة كسب. وبذلك تصبح الرؤية دافعاً هادئاً إلى الخير لا مجرد ظاهرة عابرة.
وأما الجانب العملي والروحي فهو أن يحمد الإنسان ربه على كل صفاء يجده في حياته، وأن يحافظ عليه بحسن الاختيار في الكسب والصحبة. وأن يداوم على الذكر والدعاء الذي يزيد القلب سكينة، وأن يجدد عزمه على الاستقامة بلا قسوة على نفسه. وفي حال شعوره بأنه قصّر فباب التوبة مفتوح. ومن كان يعاني في واقعه من علاقة مضطربة مع المسكرات فليأخذ هذا الحلم إشارة لطيفة إلى أن الصفاء ممكن، وليستعن بشخص يثق به أو بمختص يعينه.
وفي ختام الأمر فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات. فمن رأى هذه الرؤية فليشكر الله وليحسن الظن به، وليكثر من الدعاء، فهو أعلم بما يصلح عباده. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا نملك إلا أن نرجو منه الخير ونسلّم له الأمر.
