حين يرى الإنسان في منامه خمراً أبيض أو شفافاً فإن للون هنا دلالة مغايرة لما في الأحمر، إذ يميل إلى الهدوء والصفاء الظاهر. ومع ذلك فإن مجيء الصفاء مرتبطاً بالخمر يضيف إلى الرؤية معنى الالتباس، فكأن الشيء يبدو نقياً وهو في حقيقته محل نظر. وكثيراً ما يسأل الناس عن هذه الصورة لأنها تبدو أقل لفتاً من غيرها لكنها تثير الأسئلة. وينبغي أن يُقال إنها رمزية وليست إدانة لأحد، وإنها قد ترد على من لم يشرب قط، فلا يُحمَّل صاحبها هماً. وهكذا نقرأها بهدوء مناسب للونها.
الأبيض في عالم الرؤى يرمز غالباً إلى الصفاء والنقاء والبداية الجديدة وكل ما يبدو واضحاً. وحين يلتبس بالخمر قد يرى بعض المفسرين فيه تنبيهاً إلى أمر يبدو في ظاهره صافياً مقبولاً وفي باطنه ما يستحق التثبت. وقد يشير إلى إغراء هادئ لا يلفت النظر بصخب بل يتسلل ببطء، كفرصة تبدو سهلة وبريئة. وقد يعبّر عن حال من الغفلة الهادئة التي لا يشعر بها صاحبها، وهي أخفى من الغفلة الصاخبة. ويقابل ذلك قراءة تفاؤلية ترى في الصفاء علامة على سلامة النية رغم غرابة الصورة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن البياض قد يدل على الخير والسلامة بحسب ما يقترن به، وهذا مما يُنقل باحتياط. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البياض إذا خالط ما يُذم قد يخفف من وطأته أو يدل على أن الأمر ليس بالشدة التي يُظن. ومن المفسرين من حذّر من أن الصفاء الظاهر قد يخفي شيئاً، فاختلفت الأنظار بين متفائل ومتحفظ. وهذا يؤكد أن الأقوال لا تصلح قاعدة ثابتة، وأن حال الرائي وتجربته هما المرجع الأول.
يتغير الفهم بتفاصيل الشراب الأبيض، فإن كان شفافاً كالماء فقد يوحي بأمر يخلط بين المباح والمشتبه، وإن كان أصفر شاحباً فقد يرتبط بشيء قديم أو متعب. ويؤثر كذلك الإناء، فالكأس الرفيع قد يوحي بمظاهر فخمة، والإناء البسيط قد يوحي بأمر عادي. وشعور الرائي مهم، فالإحساس بالارتياح قد يعني أن الأمر خفيف، والإحساس بالحيرة قد يعني أنه لا يدري ما حقيقة ما يُعرض عليه. ويتفاوت المعنى كذلك بين من رأى ومن شرب ومن رفض، وكل ذلك يعطي الصورة لوناً مختلفاً.
وللرجل قد يدل الأبيض على عرض يبدو نظيفاً وهو يحتاج إلى فحص، كشراكة أو وعد بربح سهل. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن أمر في العلاقة يبدو هادئاً ظاهراً وتحته ما يحتاج إلى حوار صريح. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى شخص أو فرصة تبدو مناسبة وتستحق التمهل والسؤال عنها. وللحامل قد يعبّر عن رغبتها في الصفاء والطمأنينة، أكثر مما يدل على أمر محدد. وهذه الاحتمالات تفتح باب التأمل ولا تغلق باب الاطمئنان.
ومن الدقائق التي ينبغي ملاحظتها هل كان الخمر الأبيض مبرداً أو دافئاً، وهل كان في مكان مضيء أو خافت، وهل رافقه طعام أو أصحاب. فالإضاءة قد توحي بوضوح أكثر، والخفوت بحاجة إلى مزيد من التحقق. ويلتفت بعض أهل التعبير إلى صفاء الكأس نفسه، فالكأس الصافي قد يعني أن الأمر الظاهر لا ريبة فيه، والعكر قد يعني العكس. وقد يلاحظ الرائي أنه تذكر اللون وحده دون سواه، فيكون اللون هو الرسالة. ولا حاجة إلى تحميل التفاصيل أكثر مما تحتمل.
ويمكن أن تُفهم الرؤية على أنها تذكير بأن ما يبدو نقياً لا يغني عن التثبت، فالإنسان العاقل يتحقق ولا يكتفي بالمظهر. وهذا من الدروس العامة في الحياة كلها، لا في الخمر وحدها. فمن عُرض عليه أمر مغرٍ في عمله أو علاقاته فليسأل أهل الخبرة وليدقق في الشروط. وبذلك ينتفع الرائي بالحلم دون أن يقع في وسواس أو شك مرضي، ويتعلم أن الوضوح مطلب نبيل في كل المعاملات.
وأما الجانب العملي والروحي فهو أن يتحرى الإنسان في كسبه وصحبته ما يطمئن قلبه، وأن يطلب من الله البصيرة في ما يعرض له. ويستحسن أن يحافظ على أذكاره وصلواته التي تمنحه صفاء الذهن، وأن يتحلى بالتأني. وإن شعر بتقصير فليعد بعزم هادئ، فالتوبة مفتوحة والله رحيم. ومن كان يواجه في حياته مشكلة مع المسكرات فليتحدث بصراحة إلى شخص يثق به أو إلى مختص يعينه دون أحكام مسبقة.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، لا يُعتمد عليه في اتخاذ قرار حقيقي في المال أو العمل أو العلاقات أو غيرها. فمن رأى هذا المنام فليدعُ الله وليحسن الظن به، فرحمته أوسع من أن تضيق بحلم. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما التفسير إلا محاولة لفهم الرموز تظل عرضة للخطأ.
