البناء فوق بيت للورثة دون إذن
السؤال: قام (ص ع أ) بشراء أرض مساحتها 460 مترًا مربعًا تقريبًا، في سنة 2006م، ووهبها لأربعةٍ مِن الأبناء وبنتين، وبنى الوالدُ الأساسات والطابق الأرضي (الرفودجو)، وقد بنى الابن الأكبر دون استئذان من البقية فوق المبنى الأرضي، المشترك بينه وبين إخوته، وقد علموا بعد ذلك، وسكتُوا حَياء، واكتفى الابن الأكبر باستئذان الوالد، ثم بنى اثنان من الأبناء فوق ما بناه الابن الأكبر، والطابق الأرضي مستأجر منذ سنوات، يأخذ الابن الأكبر الأجرة ويتصرفُ فيها حسبما يرى من المصلحةِ، في الصيانة ونحوها، والآن يسأل الابن الأكبر: في حال حصول البيع لكامل العمارة، هل إخوته الذين لم يُسهموا في المبنى يكونون سواء مع الذين بنوا فوق الطابق الأرضي في ثمن المبيع، أم لهم حصتهم في أصل الهبة فقط، وهي الأرض والدور الأرضي؟ والبقية الذين لم يبنوا -وهم بنتان وابن- يسألون عن كيفية الانتفاع من هذه الهبة، وهم لا يستطيعون البناء مثلمَا فعل الابن الأكبر ومن معه، وعن حكم فعل الابن الأكبر وتصرفه في السقف وأجرة الطابق الأرضي، وتريد إحدى البنات بيع حصتها من الهبة، فكيف يكون البيع؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالسقف المشترك بين الإخوة، لا يحق لواحد منهم أن يتصرف فيه ببناء أو غيره بدون إذنٍ من الباقين يعبّر عن كامل الرضا والأهلية، فلا يفيد الرضا المأخوذ بسيف الحياء كإذن البنات والأخوات لإخوتهم ولا إذنُ الصغير فاقدِ الأهلية.
وأولاد ص ع هم جميعا شركاء في سطح المبنى، فليس لأحدهم أن يبني دون إذن شركائه، فإن تصرّف وبنى بغير إذن شركائه، ثم بعد قسمة الهبة تبين أن بناءه وقع في حصته، كان البناء له، وعليه كراء الأرض لشركائه، بقدر ما انتفع من المدّة قبل القسمة.
وإن تبين أن البناء وقع في حصة غيره، خُيِّرَ الباني بين أن يُعطى قيمة بنيانه منقوضًا، وبين أن يسلم إليه نقضه ينقله، ويكون على الباني لباقي شركائه من الكراء بقدر ما انتفع به من حصتهم قبل نقض بنائه، قال ابن عبد البر رحمه الله: "ومَنْ بَنَى أَو غَرَسَ في أَرْضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ كَانَ غَائِبًا، فَإِنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِ الْأَرْضَ، فَإِنْ صَارَ لِلْبَانِي مَا بَنَاهُ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الْأَرْضِ كَانَ لَهُ بُنْيَانُهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكِرَاءِ بِمِقْدَارِ مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ صَارَ الْبُنْيَانُ أَوْ الْغَرْسُ في نَصِيبِ شَرِيكِهِ، خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُعْطَى لَهُ قِيمَةُ بُنْيَانِهِ مَنْقُوضًا، أَوْ قِيمَةُ غَرْسِهِ مَقْلُوعًا، وبيْنَ أَنْ يُسْلِمَ إِلَيْهِ نُقْضُهُ بِنَقْلِهِ، وَيَكُونُ لُهُ مِنَ الْكِرَاءِ عَلَى الْبَانِي بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الْغَائِبِ" [الكافي:1/ 489]، وقال القرافي رحمه الله: "قال مالك: كُلُّ مَنْ بَنَى بِإذْنِكَ أَو عِلْمِكَ فَلَمْ تَمْنَعُهُ وَلَا أَنْكَرْتَ عَلَيْهِ، فَلَهُ قِيمَتُهُ قَائمًا، كالْبَانِي بِشُبْهَةٍ، وَكَذَلِكَ المُتَكَارِي أَرْضًا أَو مَنَحَهَا أَوْ بَنَى فِي أَرْضِ امْرَأَتِهِ وَأَرَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُرَكَائِهِ بِعِلْمِهِمْ فَلَمْ يَمْنَعُوُهُ، وَالْبَانِي بِغَيْرِ إِذْنِ ولَا عِلْمِ لَهُ الْقِيمَةُ مَقْلُوعًا" [الذخيرة: 6/ 213].
والسكوت ليس برضًا ولا بإذنٍ على الراجح، قال الونشريسي رحمه الله: "قال ابنُ رُشْدٍ في كِتَابِ الدَّعْوَى والصُّلْحِ مِنْ الْبَيَانِ: لا خلافَ أنّ السكوتَ ليس برضًا؛ لأنّ الإنسانَ قد يَسْكُتُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرُ راضٍ، وإنّمَا اخْتُلِفَ فِي السُّكُوتِ هَلْ هُوَ إِذْنٌ أمْ لا، ورُجِّحَ كوْنُهُ لَيْسَ بِإذْنٍ؛ لقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصلاةُ والسّلامُ في البِكْرِ: (إِذْنُهَا صُمَاتُها) فدلّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌ بِهَا" [إيضاح المسالك: 160].
عليه؛ فكان على الابن الأكبر ألّا يتصرف في السقف من دون استئذان أو إعلام لبقية الشركاء، وعليهم أن يقتسموا الهبة الآن ويتراجعوا فيما بينهم على النحو السابق.
فلمن لم يبن من الإخوة المطالبة بنقض البناء ليتمكن من البقعة التي صحّت له بالقسمة، وله أن يرضى ببقاء البناء ويكون شريكا مع الباني بقيمة البقعة التي صحت له في البناء إن تراضوا على ذلك.
والطابق الأرضي الذي بناه الأب يقسم إيجاره على الأولاد جميعا.
وعلى الابن الأكبر أن يضمن لإخوته ما أسرف فيه من إيجار الدور الأرضي في غير الصيانة اللازمة للمبنى.
ويجوز لمن أراد من الشركاء أن يبيع حصته لبقية الشركاء معًا، أو لأحدهم، بسعر السوق، دفعة واحدة أو بالتقسيطِ مِن غير ضَرر، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
13/ربيع الأول/ 1448هـ
26/ 8/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16337
