أهمية الاهتمام بالمواهب في المجالات الجادة
السؤال: هل الاهتمام بالمواهب وصقلها ورعايتها أمرٌ واجبٌ، في الخطابة والبرمجيات وكرة القدم وغيرها من مجالات الحياة؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالموهبةُ: منحةٌ من الله تعالى لمن يشاء من عباده، وهي الاستعداد الفطري لَدَى الْمَرْء للبراعة فِي فنّ أَو علم أو حرفة [المعجم الوسيط: 2/1059]، وهذه الموهبة كي تتمّ الاستفادة منها، لابدّ من صقلها والاهتمام بها؛ لأنها إذا أهملت وضيعت فاتت فائدتها، فقد تبقى هذه الموهبة مدفونةً حتى تجد من يكتشفها، فينميها، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: "كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ، قَالَ: وَمَا رُؤِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ} حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ اللهُ لَهُ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ" [البخاري: 4294].
فعلى الجهات المخولة بهذا الأمر الاهتمام بالمواهب المفيدة الجادّة في المدارس والجامعات وأماكن العمل والمؤسسات، خاصّةً فيما يتعلق بالحرف المهمة، فهي من فروض الكفايات على الأمّة، قال الخرشي رحمه الله: "الْحِرَفَ الْمُهِمَّةَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَالْخِيَاطَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْحِجَامَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهَا إذْ لَا يَقُومُ صَلَاحُ الْعَالَمِ إلَّا بِهَا، وَاحْتُرِزَ بِالْمُهِمَّةِ عَنْ غَيْرِهَا كَالْقَصْرِ لِلثِّيَابِ وَالنَّقْشِ لِلسَّقْفِ" [شرح الخرشي: 3/110]، وقد رأينا بسبب إهمال بعض بلاد المسلمين للخبرات وأصحاب التفوّق في الجامعات والمجالات العلميّة استقطابَ بلاد الكفر لهم، وصرف المال عليهم في المجالات النادرة، فاستفاد الأعداء من ابتكاراتهم واختراعاتهم وحرمت منها بلاد المسلمين.
وهذا الذي ذكر من الاهتمام بالمواهب، هو في المجالات الجادّة التي يترتب عليها نفعٌ شرعي للنّاس، أما الملهيات التي لا جدوى منها إلا متع الحياة وليست هي بناء ولا صناعة ولا تدريبا على الجهاد ولا اختراع للمعدّات وتطوير للمشاريع النافعة، فإنها من مضيعة الأموال والأوقات التي يجب الانشغال عنها، ولا هي مما يرغّب في تنميته وتطويره، وأمرها دائر بين الكراهة والتحريم، قال الله تعالى في ذم اللهو: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزؤا) [لقمان: 6].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) [السنة لابن أبي عاصم: 15]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
13/ربيع الأول/1448هـ
26/ 8/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16334
