Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾أحكام متنوعة

مقدار دية الخطأ

السؤال: توفي ابني (م أ ش) رحمه الله في حادث سير، وصدر حكمٌ من المحكمة في حق الجاني بالحبسِ مع الشغل، وبسحب ترخيص القيادة لمدة سنة، وتدخَّلَ أهلُ البر والإحسان لحل الموضوع، من خلال دفع مبلغ معين لجبر الضرر، مقابل التنازل عن القضية، فما الذي يلزم الجاني دفعه؟ وإذا لزمته الدية فما مقدارُها؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فقتل الخطأ يجب فيه على عاقلة القاتل دية القتل للمجني عليه، لقول الله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله)، وقال ابن جزي رحمه الله: "الخطأ... إنما فيه الدية، وهي العقل" [القوانين الفقهية: 266].

ودية الخطأِ على أهل البادية مائة من الإبل، وعلى أهل المدن ألف دينار من الذهب، قال الباجي رحمه الله: "إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ فِي الدِّيَةِ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ، وَاخْتَصَّ بِهِمْ مِنْ أَفْضَلِ الْأَمْوَالِ، وَمَا يَكُونُ تَعَامُلُهُمْ بِهِ، وَيَكْثُرُ وُجُودُهُمْ لَهُ… وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ لِجَانٍ أَوْ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، إلَّا أَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى شَيْءٍ فَيَكُونَ تَعَاوُضًا مُسْتَقلًّا" [المنتقى: 7/70].

فإنْ كان النقد المتعامل به في البلد من غير الذهب، كما هو واقعُ أهل المدن اليوم، فيُرجع في تقدير قيمة دية الخطأِ إلى قيمة مائة من الإبل بالنقد المتعامل به في البلد؛ لأن الإبل هي الأصلُ في تقويم الديات، وهي محل إجماع بين العلماء، دونَ التقدير بغيرها، وتقدر قيمة الإبل في كل سنة حسب السوق، جاء في قرار مجلس البحوث رقم (02) لسنة 1439هـ – 2018م، ما نصّه:

"1. الدّية في القتل تقدّر بالإبل (مائة من الإبل)؛ لأنّ الإبل هي الأصل منذ العهد الأوّل في تقويم الدّيات، ولإجماع العلماء عليها دون الأصناف الأخرى".

والعاقلة التي تجب عليها الدية، تشمل عصبة القاتل من قرابته، وتشمل أهل الديوان - جهة العمل والنقابة التي تضمهم - لقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك في محضرٍ من الصحابة رضي الله عنهم [ينظر الاستذكار: 221/25]؛ قال ابن الحاجب رحمه الله في تعريف العاقلة: "وهِيَ الْعَصَبَةُ، وَأُلْحِقَ بِهَا أَهْلُ الدِّيوَانِ؛ لِعِلَّةِ التَّنَاصُرِ… وَيُبْدَأُ بِأَهْلِ الدِّيوَانِ، فَإِن اضطرَّ إِلَى الْمَعُونَةِ أَعَانَتْهُمْ عَصَبَتُهُمْ" [جامع الأمهات:505]، والمقصود بأهل الديوان؛ مَن يشتركون مع القاتل في الوظيفة في أنحاء الدولة؛ قال الدردير رحمه الله: "الدِّيوانُ: اسْمٌ لِلدَّفْتَرِ، يُضْبَطُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْجُندِ وَعَدَدُهُمْ وَعَطَاؤُهُمْ… فَيُقَدَّمُونَ عَلَى الْعَصَبَةِ، حَيْثُ كَانَ الْجَانِي مِنَ الْجُندِ، وَلَوْ كَانُوا مِن قَبَائِلَ شَتَّى"[الشرح الصغير: 398/4]، ونقل ميارة عن ابن عبد البر رحمهما الله: "فإن عَجَزَ عَنْ سَدَادِهَا أَهْلُ الدِّيوَانِ وَالعَصَبَةُ، فَفِي بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ" [الروض المبهج: 2/473].

فإن تعذرَ ذلك أيضًا، كما هو الحال اليوم؛ لعدم إلزام العاقلةِ بالديةِ قانونًا، وعدم فرض آليّة تنظمها؛ ولتعذّر أخذها مِن بيت المال؛ فالدية حينئذ تكونُ في مالِ الجاني وحدَه إن كان قادرا على ذلك، لئلَّا يذهبَ دمُ المقتولِ هدرًا، قال التّسوليّ رحمه الله: "فِي نَوَازِل العَلَمِي أَنه لَا عَاقِلَة فِي هَذَا الزَّمَان، وَلَا يُمكن الْوُصُول لبيت المَال، فَالدِّيَة فِي مَال الْجَانِي" [البهجة في شرح التحفة: 624/2].

ولأهل الميت التصالح مع أهل الجاني على قيمة من الدية قلت أو كثرت، يتراضيان عليها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِنْ صَالَحُوا فَلَهُمْ مَا أَخَذُوا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا) [مسلم:2588]، والله تبارك وتعالى يحب العفو، ويقول: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:237]، ويقول تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [الشورى:40].

وعليه؛ فالذي يلزم الجاني هو الدية، وهي مائة من الإبل، أو قيمتها، ويجوز له الصلح على أقلَّ منها، وإذا تصالحوا على شيء فيجب أداؤه فورا في مجلس الصلح دون تأخير، لأن التعجيل هو السنة في الصلح، ولئلا يَؤديَ إلى صرف ما في الذمة في مؤخر لأنه من الدين بالدين المنهي عنه، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عصام بن علي الخمري

عبد الرحمن بن حسين قدوع

يعتـــــمــــد

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

3/ربيع الأول/1448هـ

16/ 8/ 2026م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16328