حكم من زل لسانه فتلفظ بالطلاقِ غلطًا دون قصد للفظ
السؤال: أنا (ط م ع أ)، طلَّقتُ زوجتي طلقتين، أما الطلقة الأولى فقد كانت في حالة غضب شديد، حتى إنِّي لم أشعر بما قلتُ، وانتبهتُ لنفسي ولساني يتحرَّك بلفظ الطلاق بصوت خافتٍ، مع أنَّني لم أفقد الوعي تمامًا، ولكن لم أشعرْ بلفظ الطلاق إلَّا بعد تكلُّمي به، فلساني قد زلَّ من شدَّة الغضبِ، فقد كنت أريدُ أن أقولَ شيئاً لا أدري ما هو، فتلفَّظت بالطلاق غلطًا من شدَّة الغضب، وأمَّا الطلقة الثانية فقد كانت عندما اتَّصلت بي زوجتي وقالت لي: أريدُ العودة إلى بيت الزوجيَّة، ثمَّ تبادلنا طرف الحديث، وطال النقاش في الأمور الحياتيَّة، ثمَّ ردَّت عليَّ بطريقة غير لائقةٍ، فغضبتُ، وقلت لها: أنتِ طالق، وكان ذلك بتاريخ: 24/ 11/ 2025م، وهي حتَّى هذه الساعة في بيت أهلها، فهل هي تعتبر مطلَّقة أم لا؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فـإن من شروط وقوع الطلاق أن يقصد المطلق النطق به، ولو لم يقصد حلَّ العصمة، قال الدردير رحمه الله - عند قول خليل رحمه الله في أركان الطلاق- : (وَقَصْدٌ): "أَيْ قَصْدُ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ حَلَّ الْعِصْمَةِ" [الشرح الكبير: 2/ 365]، فإنْ لم يقصد النطقَ باللفظ، بل زلَّ لسانه بأن قصد النطق بشيءٍ - كأن يقصد مناداة زوجته - فنطقَ بالطلاق غلطًا، فلا يلزمُه الطلاق، ويصدَّق في الفتوى، وأمَّا في القضاء والخصومة فلا يصدَّق، ويطالبُ بالبيِّنة على ادِّعائه الغلطَ، قال خليل رحمه الله: "لا إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ في الْفَتْوَى" [المختصر: 114]، وقد يكون سببُ غلطِ اللسان شدَّةَ الغضبِ أو شدَّة الفرح، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي ضلَّت منه راحلته في الصحراء، ثمَّ وجدها بعد أن ظنَّ الموت، ثم قال مِن شدة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح [مسلم: 2105]، وذلك أنه لم يقصد النطق بهذا اللفظ، بل قصد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدُك.
وأمَّا الطلاق في حالة الغضب، فإن لم يصل الغضب إلى حدِّ فقدان العقل، بأن يكون المطلِّق مدركًا لما يقوله، لم يصلْ إلى حالة الجنونِ وقتَ التَّلفُّظِ بالطلاق، فإنّ الطلاقَ واقعٌ، ولو كان غضبه شديدًا، قال الصاوي رحمه الله: "يَلْزَمُ طَلَاقُ الْغَضْبَانِ، وَلَوِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ… وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ، بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَالْمَجْنُونِ" [حاشية الصاوي: 1/449].
وعليه؛ فإن كان الحالُ كما ذكرَ الزوج، من أنَّ لسانه قد زلّ من شدَّة الغضب غلطًا إلى الطَّلاقِ، وهو لم يقصد النطق به، فالطَّلقة الأولى غير واقعة، وليعلمِ الزوج أن وقوعَ الطلاق عليه من عدمهِ متوقفٌ على صدقِ ما أخبرَ به، مِن زلل لسانه إلى التَّلفُظ بالطلاقِ غلطًا، وأمَّا إن كان قاصدًا للفظ الطلاق، وإن لم يقصد حلَّ العصمةِ، بل قصد التهديد - مثلًا - فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنها بُنيتْ على إخباره بعدمِ قصد التَّلفُظ بالطلاق، فإذا كانَ الواقعُ غيرَ ذلك؛ فالطلاقُ لازمٌ له، والفتوَى لا تصلحُ له، وأمَّا إن خاصمته الزوجة في مجلس القضاء، فإن الطلاق لازمٌ له، حتى يثبتَ عند القاضي صدقُ دعواه في التفاتِ لسانه.
وأمَّا الطَّلقة الثانية فإنَّها واقعة؛ لأن الزوج لم يصل إلى حالة فقدانِ العقل، وتعدُّ هذه الطلقة بائنةً إن كانت الزوجة قد خرجت من العدَّة، فليس للزوج إرجاعها عندئذ إلى عصمته إلَّا بعقدٍ وصداقٍ جديدين، وأمَّا إن لم تخرج من العدَّة فتعدُّ طلقة رجعيَّة، فللزوجِ إرجاعُها إلى عصمته بمجرَّد قوله: أرجعتك إلى عصمتي، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
8/ صفر/ 1448هـ
22/ 7/ 2026م.
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16299
