حكم المرتبات المصروفة خلال فترة تفرغ لأجل الدراسة دون استيفاء للشروط القانونية
السؤال: طالبة في كلِّيَّة الطب البشري في غ، تحصَّلت على تعيين في مراقبة الخدمات الصَّحِّية في طرابلس، على درجة وظيفة تعادل الشهادة الثانوية، وذلك في سنة (2016م)، وبعد التعيين تم تنسيبها ومباشرتها بمستوصف في ت، وقد أخَذَت إِذْناً شفويًا بالتَّفرُّغ من العمل مِن مراقبِ الخدمات الصحيَّة، لكي تدرس في كلية الطب، ثمَ تفرَّغَتْ للدراسة، وكان هذا الإجراء بشكل غير رسميٍّ، وكان سبب عدم إتمام الإجراءات هو الاسترواحَ لبعض العلاقات الاجتماعية، فلم يحتج الأمر إلى ذلك، وأيضاً لم يعلموا الإجراء الصحيح آنذاك، واستمرَّ الحال هكذا إلى سنة (2023م) وفيها تم زيادة المرتبات في القطاع الصحي، واتصل المديرُ بها، وأخبرها بأنه لا بدَّ لها من الحضور؛ لأن الرقابة الإدارية بدأوا بالضغط على المدير بأنه لابدَّ من حضور الموظفين يوميًّا، وتفعيل نموذج البصمة، ثم نُقِلَتْ إلى غريان، وباشرت العمل في سنة (2025م)، فما حكم المرتبات من سنة التعيين (2016م) إلى سنة (2023م) في هذه الفترة التي أَعْطَى فيها المدير الإذن بالتفرُّغ للدراسة؟ وما حكم المرتبات من سنة (2023م) إلى سنة (2025م) التي كان يشدد فيها المدير على الحضور، ولكن كان يُغَطِّي على اسمها عند حضور لجنة الرقابة؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن الواجب على كل موظَّف أداء ما أسند إليه من عمل على الوجه المطلوب منه؛ لكي يستحقَّ ما يأخُذُه من مرتب مقابل هذا العمل، ولا يجوز له الانشغال عن عمله بأي وجهٍ، سواء لأجل الدراسة أو غيرها، إلّا في الحالات التي تسمح فيها اللوائح الموضوعة من قبل الجهات المختصَّة بذلك، ومن تلك الحالات التَّفَرُّغ من العمل لأجل الدراسة، فإن كان موافقًا للوائح، وصدر الإذن به من الجهة المخوَّلة بإعطائه؛ فهو جائز ولا حرج فيه، وأمّا إن كان على وجه مخالف لمَا في اللوائح، أو لم يصدر إذن به من الجهة المخوَّلة بإعطائه قانونا؛ بل بناء على مجاملة من المدير أو غيره ممن يقوم بالتَّستُّر عن الغياب والتزوير في أداء الأعمال والمهام، فلا يجوز بناء عليه التفرُّغ من العمل لا للدراسة ولا لغيرها، ويُعدُّ المال المأخوذ مالًا حرامًا، أُخذ بغير وجه حقٍّ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [البخاري: 6979]، وقال صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ... وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [البخاري: 1465]، ويُعَد المدير الذي أعطى تفرغا مخالفا للقوانين آثمًا مضيعًا للأمانة التي أسندت إليه قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال: 27]، قال البغوي رحمه الله: "وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ مَا يَخْفَى عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، وَالْأَعْمَالُ الَّتِي ائْتَمَنَ الله العباد عَلَيْهَا" [تفسير البغوي: 2/ 285].
وعليه؛ فإن كان الحال ما ذكر في السؤال، فالتفرُّغ العلمي المذكور غير مستوفٍ لشروطه المذكورة في اللوائح من كون الإذن به لم يصدر من جهات الاختصاص كتابيًّا، فعلى الموظَّفة التَّخلُّصُ من المرتَّبات التي أخذتها من سنة (2016م) إلى (2025م)، في مصالح المسلمين العامّة؛ كالمستشفيات، والطرق، والأحباس القائمة على تعليم العلوم الشرعية، ونحوها؛ لأنَّها أخذت مالًا على عمل لم تؤده، وعلى المدير والموظَّفة التوبة إلى الله تعالى من تضييع المال العام بسبب عدم المبالاة، ويجب عليها الالتزام بالعمل، ويجوز لها عندئذ أخذ المال مقابله، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
8/ صفر/ 1448هـ
22/ 7/ 2026م.
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16298
