حقوق الزوجين وحكم النشوز وعقوق الابن أباه لأجل أمه
السؤال: بدأَ النقاشُ بيني وبين زوجتي بسببِ الخلاف في تربيةِ ابني، حيثُ كنتُ أنصحُه، وأحاول تقويمَ سلوكه، بينما كانتْ زوجتي تبرِّر له خطأهُ وتدافعُ عنه، حتى أصبحَ يرفع صوته عليَّ، ولا يحترمُني كما ينبغي، ممَّا زادَ الخلافَ بيننا، ثمَّ خرجتْ زوجتي مِن بيت الزوجيَّة، وقد تكرَّر منها ذلك أكثر من مرَّة، عند حدوث خلاف بخصوصِ ابني، علمًا أنَّه لا توجد خلافاتٌ أخرى بيننا، ولكن هذه المرَّة خرجتْ بجميع أغراضها، وذهبت إلى بيت أهلها منذ قرابة ستَّة أشهر، وخلال هذه المدَّة كانت تخرج وتنتقل من بيت أهلها دونَ علمي، وأهلها يعلمونَ بذلك، ويعينونَها عليه، ولم يسعوا إلى الإصلاحِ بيننا، وقد تواصلتُ مع إحدى أخواتها، وطلبتُ منها أن تخبرها بالرجوع إلى البيت، فردَّت عليَّ بطريقة شديدة اللَّهجة، وقالت: (علاش أنت متمسِّك بيها)، وقد ثبَّطَني هذا الكلام عن الإصلاح، كما أنَّ ابني يقيم معها، ولم يسأل عنّي، ولم يتواصلْ معي منذ عيد الأضحى الماضي، أرجو من فضيلتكم توجيهنا، وبيان الحكم الشرعي فيما ذكر، وما حكم مَن لا يريد الإصلاح بيننا؟ مع أنّي لا أريدُ الطلاق بتاتًا، مع طلب زوجتي له، مع توجيهِ نصيحةٍ لابني.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فـإنَّ الله سبحانه وتعالى قد جعل لكلٍّ من الزوجين حقوقًا على الآخر، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ [سورة البقرة: 228]، قال الشافعي رحمه الله: "فجعل اللَّه للزوج على المرأة، وللمرأة على الزوج حقوقًا بينها في كتابه، وعلى لسان نبيه مُفسَّرة ومجملة" [الأم: 5/ 114]، وقال ابن زيد رحمه الله في تفسيرها: "يتقونَ اللهَ فيهنَّ، كما عليهنَّ أن يتقينَ اللهَ فيهم"[تفسير الطبري: 4/ 119]، ومِن حقوق الزوج على زوجته طاعتُه بالمعروف؛ لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: 34]، وقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النساء امرأةٌ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْك، وإذا أمَرْتَها أَطاعَتك، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْك في نفسِها ومَالِهَا)، قال: ثم قرأ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الآيةَ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخر الآية، قال ابن جرير الطبري رحمه الله : "وهذا الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدلُّ على صحةِ ما قلنا في تأويلِ ذلك، وأن معناه صالحاتٌ في أديانهنَّ، مُطِيعاتٌ لأزواجِهنَّ، حافِظاتٌ لهم في أنفسهنَّ وأموالِهم" [تفسير الطبري: 6/ 693].
وأما نشوزُ الزوجة، وخروجُها من بيت الزوجية بغير إذن زوجها، وتنقُّلها من مكان إلى آخر؛ فكلُّه تعدٍّ محرَّم، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا تُجَاوِزُ صلاتُهم آذانَهم - وذكر منهم - وامرأةٌ باتَتْ وزوجُها عليها ساخطٌ) [سنن الترمذي: 360]، وهذا إذا باتت في بيت الزوجيَّة، فكيف إذا باتت خارجه! ولا يجوزُ لها طلب الطَّلاق من غير عذر شرعيٍّ معتبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ لَمْ تَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ - أَوْ قَالَ: - حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ تَجِدَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ) [مصنف عبد الرزاق: 11892]، ولا يجوز لأهل المرأة تحريضُها على ما يكرهُه الزوج، ومعاونُتها على المنكر، بل الواجبُ عليهم إصلاحُ ذاتِ البين ما أمكن، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة الأنفال: 1].
وأما الابنُ فلا يجوز له عقوقُ أبيه لأجل أمِّه، فكما أنّ لها حقّا عليه، فللأب حق على ابنه أيضا، وعقوقُهما مِن أكبر الكبائر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أُنَبّئُكُمْ بأكبَرِ الكَبائرِ؟ -ثلاثًا- قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإشْراكُ بالله، وعُقوقُ الوالِدَيْنِ، - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا - أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ) [الأدب المفرد: 15]، وقال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: "رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ" [الأدب المفرد: 2].
والواجبُ على الابن محاولةُ الإصلاح بين والديهِ ما أمكنه ذلك؛ لأن ذلك مِن برِّهما؛ قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة النساء: 36].
وينبغي لكل الأطراف في هذه المشاكل الأُسريّة، سواء الزوج أو الزوجة أو ابنهما أو غيرهم من أهلهم، محاولةُ الإصلاح بالتي هي أحسن، والصبرُ على الطرف الآخر فيما يكرهُ منه، فعلى الزوج الصبر على زوجته فيما يكره منها، وعلى الزوجة الصبر على زوجها فيما تكره منه، وتجنُّب ما يثير المشاكل، وتناسي الماضي، فإنّ الشيطان ينزغ بين العِباد، ويحاول تفكيك الأُسر ما استطاع إلى ذلك، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً. إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) [مسلم: 1469] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً، أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نعْمَ أَنْتَ) [مسلم: 2813]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
8/ صفر/ 1448هـ
22/ 7/ 2026م.
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16297
