الهبة مع إقرار الواهب بالحيازة
السؤال: جاء في وثيقة ما نصه: "حضر لدي أنا إ م ت كاتب العدل بجده الحجاز الحاج ح بن ع ب من التابعية العربية السعودية.. وقرر بطوعه واختياره أمام شاهدي الحال الموقعين بالضبط.. قائلا في تقريره: إني قد وهبت وملكت ابن أختي الشيخ ع بن ع ق من أهالي طرابلس الغرب والموجود هناك ما هو ملك لي بطريق الإرث الشرعي حصة وقدرها 276995 سهما من أصل 2069060 سهما هي كامل العقار الكائن بطرابلس الغرب بحومة غريان بشارع قوس البسطي التي هي عبارة عن حوش رقم 14، وعلى رقم 16 ورقم 18 ومربوعة مخرجة من العلي رقم 20 وثلاثة دكاكين تفتح على جادة شارع حومة غريان المعلوم ذلك في محله والمشهور شهرة تامة تغني عن التحديد وزيادة الوصف، وقد قبل مني الموهوب له ابن أختي الشيخ ع المذكور هذه الهبة لنفسه وآذنته بقبضها واستلامها وهو قبضها واستلمها في محلها استلام مثلها وتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم وذوي الحقوق في حقوقهم وأصبحت الحصة الموهوبة المذكورة ملكا لابن أختي الشيخ ع المذكور بمفرده من غير منازع له ولا معارض وأبرأت ذمته براءة عامة من كل الوجوه.. ثم ذكر التوقيع أمام الشهود والتصديق على ما ذكر.. بتاريخ: الثاني والعشرون من شهر جمادى الثاني 1366 هجرية"، السّؤال: هل يعتبر هذا النّصّ الصّريح بالقبض والتّصرّف، مع التّوثيق الرّسمي، كافيًا لإثبات ملكيّة ورثة الشّيخ ع ق لهذه الحصّة المشاعة؟
الجواب: الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
فإنّ تبرعَ الشّخص بنصيبه مِن تركةٍ لم تقسمْ يعدّ هبةً على الشّيوع، ويشترطُ لنفوذها الحيازة بالفعل، وهي تحصلُ بتصرّف الموهوبِ له مع الشّركاء كأنّه واحدٌ منهم، بأخذ الغلّة والارتفاقِ بالمنافع ونحو ذلكَ، قال الونشريسي رحمه الله: "كُلُّ مَنْ وَهَبَ جُزْءًا مِنْ مَالٍ أَوْ دَارٍ، وَتَوَلَى -أي الموهوب له- احْتِيَازَ ذَلِكَ مَعَ وَاهِبِهِ، وَشَارَكَهُ فِي الاغْتِلَالِ وَالارْتِفَاقِ، فَهْوَ قَبْضٌ وَحَوْزٌ" [المعيار المعرب: 9/196]، فإنْ لم تحصلِ الحيازة بالفعل رجع الموهوبُ تركةً، يقسمُ حسب الفريضة الشرعية.
فإن كان الورثة يقرون للموهوب له بالحيازة تم له ذلك، وعند المنازعة لا تثبت الحيازة إلا بمعاينة الشهود أن الموهوب له قد حاز وتصرف تصرف الملاك، ولا يكفي مجرد إقرار الواهب في الوثيقة أن الموهوب له قد حاز وتصرّف، بل معاينة الشهود للحيازة وتطوافهم عليها لمعرفة أن ما تمت حيازته هو عين الموهوب لا غيره- شرط في صحتها، قال البرادعي رحمه الله: "وَلَو أَقَرّ الْمُعْطِي فِي صِحّتِهِ أَنّ الْمُعطَى قَد حَازَ وَقَبَضَ، وَشَهِدَتْ عَلَيهِ بِإِقرارِهِ بيّنةٌ، ثمّ مَاتَ، لَم يُقضَ بِذَلِكَ إِن أَنكَرَ وَرَثَتُهُ حَتّى تُعَايِنَ البيّنَةُ الْحَوْزَ" [تهذيب المدوّنة: 4/347]، وقال ابن عرفة رحمه الله: "ظَاهِرُ عُمُومِ قَوْلِ هِبَتِهَا: وَلاَ يُقْضَي بِالْحِيَازَةِ إِلاَّ بِمُعَايَنَةِ الْبَيّنَةِ بِحَوْزِهِ فِي حُبُسٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ هِبَةٍ، أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِشْهَادِ وَالْإِقْرَارِ بِالْحَوْزِ لَغْو" [المختصر الفقهي: 6/343].
عليه؛ فلو ثبتَ أنّ الموهوبَ له تصرفَ في الحصةِ الموهوبة قبلَ موتِ الواهبِ أو حصولِ مانع له، بمعاينة الشهود أو إقرار الورثة فالهبةُ نافذة، وأمّا مجرّد إقرارِ وإشهادِ الواهب (الحاج ح) بقبض الموهوب له (الشيخ ع ق) للهبةِ واستلامها؛ فهذا غيرُ كافٍ في إثبات ملكية الهبة وحصول الحيازة؛ لأن المطلوب هو الإشهاد على حصول القبض بِالفِعلِ، والله أعلم.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
يعتـــــمــــد
الصّادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
27/محرم/1448هـ
2026/07/12م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16272
