تحبيس على الأولاد وآخر على الذكور دون الإناث
السؤال: نرجو منكم أن تفيدونا بالكيفية التي يمكنُ أن ينفذ بها ما وردَ في وثيقتي التحبيس المرفقتين بالسؤال، وهي وثائقُ قديمةٌ لأجدادنا، بها بعض الممتلكات، تمَّ تحبيسها علينا نحن الأحفاد، وقد ورد في الوثيقة الأولى ما نصُّه: "حبَّس على أبنائه الذكور خاصة من الأماكن المذكورة السواني كلهن على الثامرة الذي بفم الجزيرة فهي حبس على البنات مع الجهة الشرقية في الطويشة... والجهة الغربية في الطويشة على أبنائه الذكور خاصة... حبَّس جميع ما ذكر الذي على الأبناء عليهم وعلى عقبهم وعقب عقبهم ما تناسلوا وامتدت فروعهم، والذي على البنات يأكلن مما لأخواتهن وليس لعقبهن مدخل فيما حبِّس عليهن"، وورد في الوثيقة الثانية: "حبَّس رغبة في ثواب الله... على أبنائه الذُّكور خاصة الموجودين وما يزداد له من الذكور... حبَّس عليهم جميع ما يملك في جزيرة طويشة... حبَّس على ابنته جود تأكل مدة حياتها فإذا ماتت يلحق بالحبس المذكور على الذكور خاصة... كذلك حبَّس السانية للذكور المذكورين... حبَّس ما ذكر الذي على الذكور عليهم وعلى عقبهم وعقب عقبهم ما تناسلوا وامتدت فروعهم، والذي على البنت المذكورة تأكله مدة حياتها وليس لعقبها مدخل فيما حُبِّس عليها".
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ الحبس المذكور - في كِلا الوثيقتين- يُعدُّ من الوقف على الذكور دون الإناث، وهو محلُّ اختلافٍ بين أهل العلم، والصوابُ الذي ترجِّحه الأدلة الشرعية، أنَّه باطلٌ لا يجوز شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ) [البخاري: 2587]، وفي المدونة: "عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ عَائِشَةَ iإذَا ذَكَرَتْ صَدَقَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِخْرَاجَ الرِّجَالِ بَنَاتَهُمْ مِنْهَا، تَقُولُ: مَا وَجَدتُّ لِلنَّاسِ مَثَلاً الْيَوْمَ فِي صَدَقَاتِهِمْ، إِلّا كَمَا قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَّكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: 139]" [المدونة:423/4]، وقال الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه: "إِخرَاجُهُنَّ مِنهُ؛ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ؛ وَمَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ لَا يَكُونُ هَكَذَا" [النوادر والزيادات: 8/12]، وهو اختيار خليل رحمه الله في المختصر، قال: "وَحَرُمَ [أَيْ الْوَقْفُ] عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ" [المختصر: 212]، وهو المعتمد في أكثر المذاهب.
والحبسُ على الذكور دونَ الإناث باطلٌ بالقانون الصادر سنة: 1393ه، الموافق: 1973م، المستند للفتوى الشرعية الصادرة من مفتي ليبيا السابق، الشيخ الطاهر الزاوي r، التي أيّدها قرار مجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لدار الإفتاء، رقم (2) لسنة 1435هــ 2014م، ونصّه: "بُطْلَانُ مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَ صُدُورِ قَانُونِ الْإِلْغَاءِ وَلَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ…".
ولا يُخرِجه أنَّ المُحبِّس جعل للبنات أن يأكُلن من بعضه مدة حياتهِنَّ، عن كونِه حُبسًا معقبًا على الذكور دون الإناث.
عليه؛ فيُقسم الحبس المذكور -المُفْتَى ببطلانه- على الذكور والإناث، الموجودين وقت تاريخ صدور القانون سنة 1973م، بحسب الفريضةِ الشرعيةِ، ويعدّ المحبِّسُ كأنّه ماتَ في ذلك الوقت، فمَن وُجد من الورثة في هذا التاريخ يقسمُ عليهم ذكورًا وإناثًا، ومن استحقّ شيئًا فله التَّصرُّف في نصيبِه بالبيع والهبة، ومَن مات أصله قبل سنة 1973م، وكان هذا الأصلُ أنثى؛ فإنَّه لا يرثُ، ولا يدخلُ في القسمة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عبد الرحمن بن حسن قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
22/محرم/1448هـ
2026/07/07م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16266
