Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾النكاح والطلاق

المطالبة بمقدم الصداق ومؤخره بعد موت الزوج

السؤال: أنا (أ م د)، تزوجتُ في عام 1993م من (أ ع ب م)، على صداق: "الحال منه خمسة وعشرون دينارًا ليبيا مقدمًا، والمؤجل منه: مائة ليرة ذهب بذمة الزوج لمدة سنتين"، وبعد مدة من الزواج طلقني شفهيًّا طلقةً واحدة، وأمضيت فترة العدة في بيت أهلي، وبعد انقضائها؛ اتفق مع والدي على إرجاعي بعقدٍ جديدٍ، وصداقٍ جديد، دون أن أستلم من صداقي الأول شيئًا، وتم العقد الآخر في عام 1998م، على صداق: "الحال منه: ثمانية حدايد وأربعة خواتم وخناق كبير وسوار وتاكم مائة جرام، والمؤجل منه: مائة ليرة ذهب، مؤخر بذمة الزوج إلى أقرب الأجلين"، ولم أستلم منه شيئًا؛ لا مقدمه ولا مؤخره، وعشنا معًا في استقرار ولله الحمد، وكان يَعِدُنِي بأنه سيُعطيني حقي مِن الصّداق الأول، إلى أن اعتقلته قوات الأمن في عام 1999م، بتهمة تمسُّ أمنَ الدولة - على حدِّ قولهم - وحُكم عليه بالإعدام، فقمنا بتوكيل محامٍ عنه، فتم تخفيف الحكم إلى المؤبد، وكنت طوال فترة سجنه التي استمرت ستَّ سنوات وأشهر، أرسل إليه كل ما يطلبه من تموينٍ وأدواتٍ ومأكلٍ ومشرب، حتى خرج بالعفو الصادر حينها عن السجناء، فتفاجأَ بأن أمه قد باعت منزله وأملاكه بالتوكيل الذي أعطاها خلالَ فترةِ سجنه، فأقمنا بشقة أخي؛ لأنه لم يجد شيئًا من مالِه وأملاكه، وكان المصروف من أهلي، وحاول والدي أن يصلح بينه وبين أمه دونَ جدوى، وبعد فترة أخبرني بأنه لن يستطيع الاستمرار في الزواج لعدم مقدرته على النفقة، وطالبته بحقوقي من الصداق الأول والآخر، وحقي في المصاريف التي كنت أصرفها على شؤونه فترة سجنه، التي كان يعدني بأنه سيعوضني عن كل درهمٍ أنفقتُه حينها، وأنه سيعوضني عن عقد الذهب الخاص بي، الذي أخذته مني أمه دون رضاي، وقالت لي: "الخناق أخذناه وبعناه بندخلوك معنا في مشروع"، ولم أكن موافقة على ذلك.

ثم ذهبنا إلى المحكمة في عام 2006م، وأنا غير راغبة في الطلاقِ، بعد سنين الانتظار التي مرت عليّ، وتم الطلاق حسب وثيقة الخلع المرفقة لديكم، وفيها: "تنازلت الزوجة عن خمسين ليرة ذهب من مؤخر صداقها وتمسكها بخمسين ليرة ذهب"، وفيه إثبات صحة الطلاق الذي أوقعه، طلقة بائنة كبرى، وهو الطلاق الثالث، وقد تعجبت من ذلك، إذ لم يطلقني قبلها إلا مرةً واحدة، كما ذكرتُ سابقًا.

بعد ذلك بفترة، علمتُ أن عائلته بدأت باسترجاع أملاكها، فحاول إخوتي البحث عنه دون جدوى، وكان أقاربه يخبروننا كل مرة بخبر عنه، تارةً سافر، وتارةً مريض، فلم نستطع الوصول إليه، حتى علمنا بوفاته في عام 2022م تقريبًا، والآن تبين أنّ له ميراثًا وأملاكًا، فهل يحق لي مطالبةُ سائر ورثته بحقّي في مؤخر صداقي من العَقد الأول، وصداقي مِن العقد الآخر؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ الصداق المؤخر دَيْنٌ في ذمّة الزوج، يجب عليه سدادُه متى حَلَّ أَجَلُهُ، وإذا توفي ولم يسدّد، فالواجب على ورثة الميت حصرُ تركته أوّلًا، وتسديدُ ديونه قبل قسمة التركة، ومنها صداقُ زوجته المؤخر، فهو دَيْنٌ عليه، يحبس به في العذاب، ولا تبرد عليه جلدته إلا بأدائه، أو بعفو الزوجة وتنازلها عنه، ومتى توفي الزوج ولم تتنازلْ؛ كان لها الحقّ في المطالبةِ به بعد وفاته، مهما طالَ الزمن، قال الله سبحانه في آية المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]، أي: أنَّ التركةَ تقسمُ على الورثة بعد إخراج الوصايا والديون التي على الميت، ومنها الصّداق.

وعقدُ النكاح الآخِرُ فيه تأجيلُ مؤخر الصداق إلى أجلٍ مجهول، وحكمه الفسخ قبل الدخول، ويمضي بعده بالأكثر من المسمى الحلال، أو صداق المثل.

ودعوى المرأة أنها لم تقبض صداقها المقدم، المذكور في العقد الآخر؛ تحتاج إلى إثبات؛ لأنه خلاف الأصل، فالْمُقَدَّمُ لا يسمى مُقَدَّمًا في العرف إلا إذا قبضتهُ الزوجة، فإن لم يصدقها الورثة في دعواها، ولم تُثْبِتْ بالبينة ذلك؛ فلا شيء لها، قال البراذعي رحمه الله : "وَإِنِ ادَّعَى الزوجُ أنَّهُ دَفَعَ الصَّدَاقَ وأنكرتِ الزَّوْجَةُ، أو مَاتَ الزوجُ فادَّعَتِ الزوجةُ أنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ صَدَاقَهَا، أو مَاتَ الزوجَانِ وَتَدَاعى وَرَثَتُهُمَا [فِي] دَفْعِ الصَّدَاقِ فَلَا قَوْلَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا وَلَا لِوَرَثَتِهَا" [تهذيب المدونة: 2/203].

عليه؛ فيجوز للسائلة المطالبة بصداقها المؤخر من عقدها الأول، وهو المائة ليرة ذهب، كما هو وارد في العقد، وأما مؤخر صداقها في العقد الآخر، فينظر إلى صداق مثلها من النساء في وقت العقد، فيثبت لها الأكثر منه، ومن الصداق المسمى الحلال، وهو (الخناق الكبير والحدايد والخواتم والسوار والتاكم)، والغالب أن هذا المسمّى الحلال المقدّم؛ هو أكثر من صداق المثل، لو افترضنا أنّ صداق المثل مائة ليرة، وهي قد تنازلتْ منها عن خمسين ليرة في الخُلْعِ، وبقي لها خمسون في ذمة الزوج؛ فلا يبقى لها شيء في العقد الأخير تطالب به، إلّا أن تُثْبِتَ بالبينة أنها لم تقبض مُقَدَّمَ صداقِها المذكورَ فيه، أو يُقِرَّ لها الورثة، تصديقًا منهم بدعواها، وإلا فلا شيء لها، حيثُ لا بينة ولا إقرار، فلا يبقى لها أنْ تطالب بشيء سوى المائة ليرة من الذهب، المذكورة في العقد الأول، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عبد الدائم بن سليم الشوماني

عصام بن علي الخمري

يعتـــــمــــد

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

14//المحرم//1448هـ

29//06//2026م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16253