الوصية ببيع كل أملاك الموصي وحكم الوصية بالتاليف
السؤال: ما حكم التوصية ببيع كامل ما كان يملكه الميت؟
وما حكم التوصية بإنفاق ثمن البيع في تواليف الذكر، وإهداء الثواب للموصي، وختم القرآن؟
وهل يشترط في وكيل وناظر الوصية أن يكون من الورثة، أم يجوز توكيل غير الورثة؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ الله تعالى قد جعل للمسلم الحق في الوصية بثلث ماله؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ، عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ، زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ) [ابن ماجه: 2709]، ولا يجوز لأحد الوصية بأكثر من الثلث؛ لقولِه صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقد أراد أن يوصي بماله كله: (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) [البخاري: 2742]، ويُردّ ما زاد على الثلثِ، إلّا إذا أجازه الورثة؛ فعن عِمران بن حصين رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوتِه، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ r، فَجَزَّأَهُم أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُم، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا) [مسلم: 1668]، والوصية بما زاد على الثلث مِن الإضرار، وقد نهى الله تعالى عنِ الإضرار في الوصية؛ فقال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء:12]، قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: (غَيْرَ مُضَار)… أَيْ يُوصِي بِهَا غَيْرَ مُضَارٍّ، أَيْ غَيْرَ مُدْخِلٍ الضَّرَرَ عَلَى الْوَرَثَةِ… فَالْإِضْرَارُ رَاجِعٌ إِلَى الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ، أَمَّا رُجُوعُهُ إِلَى الْوَصِيَّةِ فَبِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ" [تفسير القرطبي: 80/5].
وإقامة (التاليف) بالمصطلح المتعارف عليه في وقته، وهو عملُ طعام يدعى إليه الفقراء والمساكين؛ يعتبرُ مِن أبوابِ الخير، فقد كان الناسُ في أمسّ الحاجة إلى الطعام قديمًا؛ للفاقةِ الشديدة، وعدم توفر القوتِ في البيوت، وقد تغيرَ الحالُ الآن بتوفر الطعام في البيوت، وصار من يأتي إليه لا يأتي إلّا مجاملةً لصاحب الدعوة، لا للحاجة إلى الطعام، فعلى متولي النظر في حبس التاليف صرفُ ريعِ ثلث الحبس المذكور على الفقراء والمساكينِ والمحتاجين مِن طلبة العلم؛ لأنّ هذا في معنى ما حبّس عليه المحبس، وهو إطعامُ الطعام، والزائد على الثلث يرد على الورثة إلا إذا أجازوه.
وأما من يتولى النظارة على الوصيّة، فيشترط فيه البلوغ والإسلام والعدالة، سواء كان من الورثة أو من غيرهم، قال ابن الحاجب رحمه الله: "الْمُوصَى شَرْطُهُ: التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ وَالْكِفَايَةُ" [جامع الأمهات: 547].
فإذا لم يعين الموصي ناظرا يتولى تنفيذ وصيته فيرفع الأمر إلى القاضي ليعين من يرى أنه صالح لذلك متصفا بالأمانة وحسن التدبير.
وعليه؛ فينفذُ الثلث من الوصيّة فقط، ولا يصحُّ منها مَا زاد على الثلث، والزائد عليه موقوفٌ على إجازةِ الورثة، وينفقُ مالُ ثلثِ الوصيةِ على الفقراء والمساكينِ والمحتاجين مِن طلبة العلم، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
13/ محرم/ 1448هـ
28/ 6/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16249
