الاقتصار على غسل اليدين من الكوعين إلى المرفقين بعد غسل الوجه في الوضوء
السؤال: ما حكم مَن يترك غسل الكفين، ويقتصر على غسل اليدين من الكوعين إلى المرفقين، في الغسل الواقع بعد غسل الوجه في الوضوء، وقد غسل يديه إلى الكوعين أول الوضوء، ظنًّا منه أنّ محل الفرض من الكوعين إلى المرفقين، وقد مضى على هذا الحال سنوات؟ وما حكم الصلوات التي صلاها بهذا الوضوء؟ هل يعيدها؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فعلى المسلم أن يحرصَ على تعلم الواجب عليه من أمور دينه، مما تصح به عبادته، وفرائض الأعيان المكلف بها، كالطهارة والوضوء والغسل والتيمم والاستنجاء وأركان الصلاة وصفتها الكاملة، حتى يقيم شعائر الله عز وجل على الوجه الذي أمرَ به، وأمرَ به رسولُه r، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وصلُّوا كما رأيتمُوني أصَلي) [البخاري: 6008]، وقال صلى الله عليه وسلم: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) [السنن الكبرى للبيهقي: 5/ 204].
وغسل اليدين من رؤوس الأصابع إلى المرفقين في الوضوء فرضٌ من الفرائض، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
ومن تركَ فرضًا من فرائض الوضوء فوضوؤه باطلٌ، وعليه إعادة الصلاة، قال خليل رحمه الله في فصل فرائض الوضوء: "وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَتَى بِهِ وَبِالصَّلَاةِ"[المختصر: 20].
ومَن ترك جزءًا من أعضاء الفرض ثم غسله أو مسحه بغير نية الفرض، لم يصح وضوؤه، قال الدردير رحمه الله: "(أَوْ تَرَكَ لُمْعَةً) مِنْ مَغْسُولِ فَرَائِضِهِ (فَانْغَسَلَتْ) فِي الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ (بِنِيَّةِ الْفَضْلِ) فَلَا يُجْزِئُ لِأَنَّ نِيَّةَ غَيْرِ الْفَرْضِ لَا تُجْزِئُ عَنْهُ وَهَذَا إذَا أَحْدَثَ نِيَّةَ الْفَضِيلَةِ وَإِلَّا أَجْزَأَهُ، وَمِثْلُ الْغَسْلِ الْمَسْحُ" [الشرح الكبير: 1/ 95]، فلو عمَّم نية الفرض أجزَأه، قال الدسوقي رحمه الله: "وَأَمَّا لَوْ نَوَى أَنَّ الْفَرْضَ مَا عَمَّمَ مِنْ الْغَسَلَاتِ وَبَقِيَتْ لُمْعَةٌ لَمْ تُغْسَلْ بِالْأُولَى وَغُسِلَتْ بِالثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ، فَإِنَّ الْغَسْلَ يُجْزِي"[حاشية الدسوقي: 1/ 95].
فإنْ غسلَ يديه لكوعيه أولَ وضوئه بقصد الفريضةِ، كان وضوؤه صحيحًا، وفاتته سنة ترتيب الفرائض، قال الدردير رحمه الله: "فَإِنْ نَكَّسَ (فَيُعَادُ) اسْتِنَانًا الْفَرْضُ (الْمُنَكَّسُ) لَا السُّنَّةُ" [الشرح الكبير: 1/ 99]، وقال الزرقاني رحمه الله: "ولو حكمًا من عضو أو بعضه كـمَن غسل يديه لكوعيه أول وضوئه بقصد الفريضة، ثم لم يُعدهما في غسل اليدين بعد غسل وجهه واقتصر على الذراعين، فالكفّان فقط منكّسان" [شرح الزرقاني: 1/ 124].
عليه؛ فمَن نوى بغسل يديه إلى كوعيه في أول الوضوء السُّنيةَ، ثم لم يغسلهما بعد ذلك عند غسلِ ذراعيه، فوضوؤه باطل؛ لأنه ترك بعضَ فرائض الوضوء، وعليه في هذه الحالة إعادة الصلوات التي صلاها بهذا الوضوء.
أما إذا نوَى الفرض بغسلِ يديه إلى الكوعين أول الوضوءِ، أو لم ينو شيئًا؛ لا الفرضَ ولا السنيةَ، ولم يغسلهما بعد ذلكَ، فالظاهر أنه يجزئه، كما ذكروهُ فيمَن تركَ اللّمعةَ، ولا إعادةَ عليه فيما مضى من الصلوات، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
13/ محرم/ 1448هـ
28/ 6/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16250
