Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾الحج والعمرة

حج المعتدة

السؤال: تحصَّلت والدتي على تأشيرة للحج، وقد تجاوزتِ السبعين من عمرها، ثُمَّ توفي والدي، وسيأتي وقت الحج وهي لا تزال في عدَّتها، وقد سألت بعض المشايخ فقال لي: "إنَّ الأصلَ ألَّا تذهب المعتدة للحج، ولها الأجر كاملًا"، ولكنَّ بعض أهل العلم من المعاصرين يفتي بالجواز؛ لصعوبة الحصول على الفرصةِ مرة أخرى، وممن أفتى بذلك الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ عبد الله المصلح وعزاه أيضًا للشيخ ابن باز، فهل يجوز للوالدة أن تعمل برأيهم وفتواهم، أم لا؟ وقد أفتاها بعض مشايخ البلد بالجواز.

الجواب: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنَّ الأصل - كما ورد في السؤال - أنَّه لا يَحِل للمعتدة زمن العِدة أن تخرج من بيتها، إلَّا لعذرٍ أو حاجة، ويكون خروجها نهارًا، ويجب عليها المبيت في بيتها.

إلّا أنَّ الحجَّ - مع وجوبه بتوفر أسبابه وشروطه - لا يكونُ ممكنًا في حق القادر عليه إلَّا بالحصول على (التأشيرة)، الأمر الذي قد لا يتكرر لمن تحصل عليه مرة أخرى، لتزاحُم الناس من مختلف أقطار العالم للحصول على فرصةِ الحج، حتى إنّ المسلمَ لَيقترع عمرهُ كله وقد لا يحصلُ عليها، فمَن تحصلَ على هذه التأشيرة يكون قد توفرت فيه الشروطُ الموجبة للحج، التي يصعب أن تتكرر له مرة أخرى، ويكون بذلك قد تعلق بذمته خطابان شرعيان، والقاعدة أنه إذا تزاحمت الواجباتُ قُدمَ أكبرها، وما يحصل للسائلة من تركِ واجبِ المبيت في العدة قد يكونُ مغتفرًا، بسبب شغل ذمتها بواجبٍ لا يمكن تحققُه إلَّا في زمن العدة، بسببِ التأشيرة.

وما نقله الفقهاءُ من تحريمِ سفر المعتدةِ للحج، قد انبنَى على إمكانية الحج في ذلك الوقت بمجرد الاستطاعة المالية وأمنِ الطريق، الأمر الذي لم يعد على ما هو عليه اليوم، لوجود شروط زائدةٍ على ما اشترطه الشارع.

وعليه؛ فإن كانت هيئة الحج تحتفظ لمن خرج اسمه في القرعة إذا منعه مانع شرعي وتمكّنه من الحج في قابل، فعليها أن تنتظر لقابل، لأن الحج وإن كان يضيق وقته مع التقدم في العمر فإن التأخير لعام واحد لا يعدّ تفريطا، وإن كانت هيئة الحج لا تضمن فرصة الحج في عام قابل لمن منعه مانع فيجوز للسائلة أن تُقلِّد مَن تَثِق في دينه وعلمه، ممَّن يقول بجواز خروج المعتدة إلى الحج؛ لاسيما وقد وافقَ المُجوِّزُون مذهبَ جمعٍ من الصحابة منهم: جابر وعلي وعائشة وابن عباس رضي الله عنهم؛ فقد رُوي عن علي رضي الله عنه أنَّه نَقَلَ ابنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ فِي عِدَّتِهَا حِينَ قُتِلَ عَنْهَا عُمَرُ رضي الله عنه، ورُوي أنَّ عائشة رضي الله عنها خرجت بأختها أم كلثوم حين قُتِلَ عنها طلحةُ إلى مكةَ في عمرة [ينظر الاستذكار: 6/215]، ويتأكَّدُ ذلك فيمَن جاوزَ السبعين، كحالِ السائلة، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

يعتـــــمــــد

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

16/و القعدة/1447هـ

2026/05/04م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16247