طلاق بسبب السحر
السؤال: تزوَّجت منذ (12 سنة)، وحدث طلاق بيني وبين زوجتي بسبب قولها لي: إن كُنتَ رجلا فطلِّقني، ثمّ أرجعتها، وبعد سنتين حدثت مشاكل أخرى فطلَّقتها، ثمّ أرجعتها بعد استفتاء أحد المشايخ، وكانت توجد قرائنُ أن هناك أمرًا غير طبيعي، من ذلك سماعُ أصوات غريبة في البيت، وأني إذا اقتربتُ منها اشتممتُ رائحةً كريهة، وهي كذلك إذا اقتربتْ مني اشتمَّت رائحة كريهة، واستمرَّت الحال هكذا إلى أن رأيتُ في هاتف زوجتي مقاطعَ صوتيَّة مع رجلٍ، وكلامًا غيرَ لائق، وقد كانوا اتفقوا على موعد للِّقاء، ولكنِّي اكتشفتُ ذلك قبلَ حدوثه، فمِن شدّة الغضب من ذلك قلت لها: أنت طالق طالق طالق، لظنّي أنها تخونُنِي، مع العلم بأني قد وضعتُ تطبيقًا في السابق في هاتفها دون علمِها، فلم أجدْ فيه هذه المحادثة بعد تسجيلها، وهي أنكرت كل هذا، فحملها أهلُها إلى شيخ بعد ملاحظة أمر غير طبيعي، وكان حكم الشيخ الراقي أنها مسحورة، ولا تعي ما تقول، وأنّ هذا سحرُ تفريقٍ، فقد ظهر الجنُّ وتكلم معه، وقال الشيخ: إنّ الزوج مسحور كذلك، (والشيخ من سوق الجمعة مركز طيبة)، وكان هذا حكم شيخ آخر من العجيلات حملناها إليه للرقية، وتكلم الجن على لسانها مرة أخرى، وما أريد حكمه هو: هل الطلاق واقع، خصوصًا أنّي طلقتها لظني أنها تخونني، فتبينَ أنها مسحورةٌ بشهادة الشيخين؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ أثر السحر على الزوج له حالات، فإنْ أثرَ السحر عليه بحيثُ جعله مسلوبَ الوعي والإرادة، لا يدرك ما يقول، فلا يقع طلاقه؛ لأنه في حكم فاقد العقل، أو أثرَ عليه بحيث جعله مجبَرًا على ما يقول، فلا يقع طلاقه أيضًا؛ لأنه في حكم المكرَه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) [أبوداود: 4403]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَن أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [ترتيب ابن حبان: 4760]، وفي المدونة: "قالَ مَالِكٌ: لاَ يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ" [المدونة: 2/ 79]، وأمّا إن لم تصل حال الزوج المسحور إلى هذا الحدّ، بأن كان عاقلًا مختارًا، يدرك ما يقوله ويفعله، فهذا يلزمه الطلاقُ ولو وقع منه لسوءِ ظنه بزوجته.
وعليه؛ فإن كان الحال كما ذكره السائل، من أنّ الزوج وقت إيقاع الطلاق مدركٌ لما يقول، ولم يجد نفسَهُ مجبرًا على التَّلفظ به؛ فالطلاق واقع وإن سلمنا بأنه مسحور، وبهذه الطلقة مع الطلقتين قبلها قد بانت الزوجة منه بينونةً كبرى، فلا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
2/ ذو الحجة/ 1447هـ
19/ 5/ 2026م.
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16243
