Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾أحكام متنوعة

حكم بيع المستفيد بطاقة الأغراض الشخصية لغيره

السؤال: قد ظهر مؤخرًا من ينشر فتوى بجواز بيع وشراء بطاقات الأغراض الشخصية، فنرجو أن يُرَدَّ على بحثه؛ لأخذ بعض الناس بفتواه، وقد جاء في بحثه ما مُلخصه: "الفرق بين حقِّ المنفعة وحقِّ الانتفاع أنَّ الدولة في حقِّ الانتفاع تشترط عليك في العقد الذي بينك وبينها شرطًا، سواء كان بالعرف أو في أثناء العقد، وهو أنَّك لا تستطيع التصرف فيه، أمَّا حقُّ المنفعة فهو أعم، ويكون لك فيه حرية التصرّف، ومصرف ليبيا المركزي قام بتخصيص قيمة (2000) دولار لكلِّ مواطن بلغ عمره (18) عامًا، ولم يشترط المصرف عليَّ ألا أبيعها أو أعطيها لغيري، فليس بيني وبينه شرط تعاقدي ولا عرفي، فإذا حجزت القيمة فقد أصبحت لي حتى قبل الإيداع، ولا يستطيع مصرف ليبيا المركزي أن يتصرف في القيمة حتى لو لم أقم بإيداع ما يقابلها؛ لأنَّ القيمة رُصدت باسمي، إذًا هي من قبيل حقّ المنفعة؛ لأنَّه يترتب عليها حرية التَّصرُّف فيها بشراكة أو بيع أو نحوه، وعلى ذلك فيجوز أن أشارك غيري فيها، بأن يكون رأس المال منه، ومني المنحة التي أعطاها لي المصرف، ويكون المكسب بالنصف أو حسب الاتفاق".

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمَّا بعد:

فإنَّ التقديم على بطاقة الأغراض الشخصية يُعدُّ من قَبيل حقِّ الانتفاع، وهو الحقُّ الذي تمنحه الدولة أو جهة ما لشخصٍ بعينه لصفةٍ فيه، فيملك الانتفاع به ولا يملك بيعه ولا هبته ولا نحو ذلك، ولذا تشترط على كل أحد عند التقديم رقمه الوطني وصورة من إثبات هويته وشخصيته، فلا تعطى إلا لمن يحمل هذا الرقم بعينه، لا لأي أحد غيره يقوم مقامه، فإنَّ من يحل محلّه بالبيع ونحوه لم يستوف المتطلبات التي يشترطها صرف البطاقة، وهو التحقق من شخصية المتقدّم وهويته ورقمه الوطني، ولو كان الأمر مطلقًا لكل أحد يحمل الجنسية الليبية لاكتفت مثلًا بشهادة الميلاد، أمَّا اشتراط ما ذكر في صرف البطاقة فهو اشتراط بألا ينتفع بها غير هذا المعيَّن المعروف برقمه الوطني، وبشخصيته التي لا يقوم مقامها غيره.

لذا فإمَّا أن يُقدِم المواطن على طلب البطاقة بالاشتراط المحدّد لشخصيته وتعيينها، وإمَّا أن يتركه، وليس هو من قبيل حقِّ المنفعة؛ لأنَّ حقَّ المنفعة ما يُمنح لشخص أو يملكه لا لصفة فيه تمنع غيره منه، قال القرافي رحمه الله: "وَفَرْقٌ بَيْنَ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ وَبَيْنَ مِلْك أَنْ يَنْتَفِعَ فَفِي الْأَوَّلِ: لَهُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي الِانْتِفَاعِ لِغَيْرِهِ وَفِي الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ وَفِي الطُّرُقَاتِ لِلْمَعَاشِ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ ذَلِكَ وَلَا تَحْجِيرُهُ" [الفروق: 5/197]، والفرق بينهما كما قال الزرقاني رحمه الله: "أَنَّ مَالِكَ الانتِفَاعِ تُقْصَدُ ذَاتُهُ مَعَ وَصْفِهِ كَإِمَامٍ أَو خَطِيبٍ أَو مُدَرِّسٍ بِبَيتٍ وُقِفَ عَلَيْهِ بِالوَصْفِ المَذكُورِ وَكَمُسْتَعِيرٍ مُنِعَ مِنْ أَنْ يُعِيرَ، [ومنه أن يُقال: كحامل هذا الرقم بعينه لا لغيره] بِخِلَافِ مَالِكِ المَنْفَعَةِ فَإِنَّمَا يُقْصَدُ الانتِفَاعُ بِالذَّاتِ لِأَيِّ مُنْتَفِعٍ، كَمُسْتَعِيرٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إِعَارَةٍ" [شرح الزرقاني: 6/227].

وأمَّا قول الباحث: "فإذا حجزت القيمة فقد أصبحت لي حتى قبل الإيداع" فخطأ؛ لأنَّه إن قصد بحجز القيمة عقدَ الصَّرف بين المواطن والمصرف المركزي، فيُشترط لصحّة الصَّرف التقابض، وهو لم يحصل، لأنه إذا أبرم العقد وتأخرَ التقابض من طرفٍ أو طرفين فهو عقد ربا حرام باطل، لا ينقل الملكية ولا تترتَّب عليه آثاره، وإذا كان المقصود بحجز القيمة الوعدَ، لا العقد الذي لا يَستأنفان بعده عقدا، فإنَّ المواطن في هذه الحال لا يملك الدولار، وإنَّما يملك حقَّ التقديم على شرائه، وقد تقدَّم أنَّه في هذه الحال هو من حقوق الانتفاع التي يشترط فيها تعيينُ الشخص برقمه الوطني، وبيع حقِّ الانتفاع من بيع الإنسان ما لا حق له في بيعه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) [أبو داود: 3594].

وأمَّا قول الباحث: "ولم يشترط المصرف عليَّ ألا أبيعها أو أعطيها لغيري، فليس بيني وبينه شرط تعاقديّ ولا عرفي" فمُخالفٌ للواقع؛ إذ يدل على هذا الشرط، أنه لا يقبل منه الطلب إلا إذا تحدّدت صفة الشخص وتميزت عن غيره بحمله للرقم الوطني المعين دون غيره.

ومما يدل على ذلك أنَّه لو تنازل صاحب هذا الحقِّ لشخص آخر، فلا يستطيع هذا الشخص أن يقدِم على حجز الدولار باسمه وأوراقه الشخصيّة؛ إذ القانون يمنع ذلك، ولو كان حق منفعة لأمكنه نقله إلى هذا الشخص الآخر بأجرة أو بغير أجرة.

وعليه؛ فلا يجوز الإقدام على هذه المعاملة؛ لأنَّها من العقود الفاسدة.

وعلى الباحث ألا يتكلم في الحلال والحرام بسانحات أفكاره، فإنَّ هذا العلم دين لا يؤخذ إلا من مراجعه ومصادره الموثوق بها، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عصام بن علي الخمري

عبد الرحمن بن حسن قدوع

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

15/ذو القعدة/1447هـ

2026/05/03م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16235