Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾أحكام متنوعة

حكم العمل في محاسبة مصلحة الضرائب

السؤال: أنا موظَّف بديوان المحاسبة، وعملي هو مراجعة الحسابات، حيثُ أقوم بالتحقق من صحة التصرفات الفنية والمالية، للجهاتِ والوحدات العامةِ والكيانات الربحية المملوكة للدولة، والتأكُّد من سلامتها، وتقييم أدائها، سواء من ناحية المصروفات أو الإيرادات، ومن بين تلك الجهات التي نتابعها (مصلحة الضرائب وفروعها ومكاتبها)، وبطبيعة الحال؛ فإن هذه المصلحة قائمةٌ على تحصيل الضرائب بمختلف أنواعها، ومن بينها ضريبة الدخل، المقررة بموجب القانون رقم (7) لسنة (2010)، وضريبة الدمغة برقم (12) لسنة (2004)، وعددٌ من الزملاء يجتنبون هذا العمل، أو يمتنعون منه، وبعضهم لا يؤدي واجباته عند تكليفه به، بمبرّر أن الأعمال التي تقوم عليها المصلحة محرّمة شرعًا، وتقييم أدائها والتأكد من سلامتها من الإعانةِ على الحرام، فلا يمارسون الرقابة على موظفي مصلحة الضرائب، ويرون أنَّ عدم التزام موظفي المصلحة بالضوابط والتشريعات هو أمرٌ مباحٌ، يخففُ من الحرام، رغم أنّ بعضَ موظفي مصلحة الضرائب ليس دافعهم في تساهلهم من مُنْطَلَق شرعيّ بالإعفاء من الضرائب والتخفيف منها، بل لأنّ بعضهم لديه مكاتب خاصَّة، تقوم على المساعدة في تخفيض الضرائب مقابل مال رشوة يأخذه من دافع الضرائب، وبعضهم يقوم بذلك مِن أجلِ منفعة شخصية مباشرة، فما هو الحكم الشرعي في عملنا في المراجعة وتقييم حسابات المصلحة؟ وما حكم ما يقوم به موظفو المصلحة؟ وما هو توجيهكم لنا بهذا الشأن؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإن الضرائبَ على نوعين: ضرائب خدمية، وضرائب غير خدميةٍ تؤخذُ من الناس دون مقابل.

فإن كانت الضرائب خدميةً، تؤخذ من الناس في نظير خدمة تقدَّم لهم، كالضرائب التي تؤخذ على الجمارك، وخدمات الموانئ، والمرور في الطرقات، أو على منح التراخيص للأعمال، ومراقبة الأسواق، وقيادة السيارات، ونحو ذلك، فهذا لا حرج فيه؛ لأن الناس محتاجون إلى هذه الخدمات لتنظيم حياتهم، والمال الذي يؤخذ منهم هو أجرة على تقديم هذه المنافع، لكن يجب على السلطات تقديم الخدمات المطلوبة منها - كما في اللوائح - مقابل جباية هذا المال، لا أن تجبي المال ولا تؤدّي ما عليها من أعمال.

وإن كانتِ الضرائب من النوع الثاني، وهو ما يؤخذ من الناس دونَ مقابل، أو ما يعرف بضريبة الدخل والدمغة، فهذه لا يجوز استقطاعها جبرًا في الأحوال الاعتيادية، وهي من المكسِ المحرّم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾[النساء:29]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ فِي النَّارِ) [مسند أحمد: 17001]، وقال صلى الله عليه وسلم في المرأة التي زنت ثم تابت: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ) [صحيح مسلم: 1695]، وقال أبو عبيد رحمه الله: "بَابُ ذِكْرِ الْعَاشِرِ وَصَاحِبِ الْمَكْسِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالتَّغْلِيظِ" [الأموال: 632]، ثم ذكر عدة أحاديثَ وآثار في إثمه وما تُوعِّد به.

وعليه؛ فالعمل في مصلحة الضرائب، أو في تقييم حساباتها، إن كانت من الضرائب المشروعة فهذا جائز، بل يجب على الموظف أداء ما أسند إليه من عمل، وإن كانت من الضرائب المحرّمة فلا يجوز هذا العمل؛ لمَا فيه من التعاون على الإثم والعدوان، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

وأما مراجعة الموظفين في ديوان المحاسبة أو غيره لحسابات إدارة الضرائب فما كان منها لضبط المرتشين من موظفي الضرائب أو لتحايلهم على تحويل المعاملات إلى مكاتبهم الخاصة، ليقوموا بتخفيضها مقابل مال يقبضونه، فهذه المراجعة لضبط هذه المخالفات التي هي من قبيل الرشوة لا حرج فيها، وما كان من هذه المراجعات لمتابعة الدافعين للضرائب لملاحقتهم بدفع ما أمكنهم التملّص منه من دفع الضرائب والمكوس التي تؤخذ بغير وجه حق، لأجل معاقبتهم وفرض غرامات أخرى عليهم فهذه المراجعة لا تحلّ؛ لأنّها من الإعانة على الغصب وأكل أموال الناس بالباطل. والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عصام بن علي الخمري

عبد الرحمن بن حسين قدوع

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

15/ ذو القعدة/ 1447هـ

3/ 5/ 2026م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16233