حكم شراء بيت مُقام على أرض الوقف
السؤال: ما حكم شراء بيت مُقام على أرض وقفٍ، نزَعتْ ملكيتَها بعضُ أجهزةِ الدولة في النظام السابق، وخصَّصتها لمواطنين أكثرهم من المسؤولين؟ علمًا أنني لا أريد الشراء من المخصص له، بل ممّن اشترى منه.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فـإنَّ أحباسَ المسلمين يجبُ صونُها، والحفاظُ عليها، ولا يجوزُ لمسؤول في الدولة ولا لغيره أن يغتصبَها، ويتصرَّفَ فيها بتبديلٍ أو تغييرٍ، أو زيادةٍ أو نقصانٍ، إلّا بإذنِ ناظرِ الوقفِ الحريص، بما يحققُ مصلحةَ الحبس، قال تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة:181].
وإذا ثبتَ أن هذه الأرضَ محبسةٌ، فإن البيعَ الذي وقعَ باطلٌ، ولو تعاقبت عليها البِياعات؛ لأنّ البائع باعَ أرض الوقف بيع محاباة وهو لا يملك ذلك، ويرجعُ العقار إلى الجهة الموقوفِ عليها، ثُمَّ يرجعُ كلُّ مُشترٍ على مَن باع له بالثمنِ، ولو تعددَ الشراء. وأمَّا حكم ما أحدثه الناس فيها من بناء، فإنَّه يجب عليهم إخلاءُ الأراضي الموقوفة، وإزالةُ البناء وأخذُ النُّقْض، ولا يكونون شركاء للوقف؛ لأنه مِن بيع الحبس، وهو محرّم، قال المواق رحمه الله: "قَالَ سَحْنُونَ: مَنْ اشْتَرَى قَاعَةً فَبَنَاهَا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهَا حبْسٌ فَإِنَّهُ بِخِلَافِ مَنْ بَنَى بِشُبْهَةٍ، هَذَا يَقْلَعُ نُقْضَهُ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ مَنْ يُعْطِيهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ" [التاج والأكليل:351/7]، إلَّا إنْ كانَ البناءُ المقامُ على أرضِ الوقف فيه منفعةٌ للوقف، فيُعطَى الباني قيمةَ بنائهِ منقوضًا من غلّةِ الوقف، قال الدردير رحمهُ الله: "إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَقَائِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْوَقْفِ وَرَأَى النَّاظِرُ إبْقَاءَهُ فَلَهُ دَفْعُ قِيمَتِهِ مَنْقُوضًا مِنْ ريعِ الْوَقْفِ إنْ كَانَ لَهُ ريعٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ريعٌ وَدَفَعَهَا مِنْ عِنْدِهِ كَانَ مُتَبَرِّعًا" [الشرح الكبير:467/3].
وعليه؛ فلا يجوز تملُّك أراضي الوقف، ولا بيعُها، ولا شراؤُها، وكُلُّ ما وقع من ذلك فبيعٌ فاسدٌ؛ لا ينقلُ الملكية، ولا يبيحُ التصرُّف، ولا يعفي مِن الإثم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَن أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، طُوِّقَهُ في سَبْعِ أرضينَ يومَ القيامةِ) [البخاري:2453]، والتعدي على مال الوقفِ وعقاراته أعظمُ ظُلمًا وأشدُّ حرمةً، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
27/رمضان/1447هـ
2026/3/17م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16218
