حكم الطلاق بلفظ التحريم
السؤال: منعتُ زوجتي من حضور مناسبةٍ لأحد إخوتها؛ لغرض تأديبها، فاتصلتْ بأبيها، فجاء ليأخذَها، وقال لي: "ابنتي معي وأبناؤك معك"، فتدخل الأقارب لأعطيها الأولاد، ففعلتُ؛ لصغر سنِّهم، وقد سعيت في الصلح مرارًا، لكنَّ أمرهم استقر على طلب الطلاق، وقد جاءني أحد أقاربها يخبرني أنَّها تريد الطلاق، وأنَّه وكيلها، فقلت له: "إن كنت أنت وكيلها فهي محرمة عليَّ كحرمة أمّي"، فما حكم أخذ الأب لابنته دون إذن زوجها؟ وهل من شرط الوكالة أن تكون موثقة؟ وماذا يترتب على العبارة التي قلتها؟ وهل لها الحق في مؤخر الصداق ومتعة الطلاق؟ وهل لها حق حضانة الأولاد، أم لا؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ الواجب على أهل الزوجة السعي في الإصلاح، وحفظ حقوق ابنتهم بما لا يُفسد حياتها، ولا يضر بزوجها، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الإفساد بين الزوجين، فقال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا) [أبوداود: 2175]، والتخبيب: إفساد العلاقة بين الزوجين.
أمَّا الوكالة؛ فليس من شروطها الكتابة أو التوثيق رسميًّا لدى الجهات المختصّة، وعدم الكتابة لا يؤثّر في صحتها.
وأمَّا قول الزوج: "إن كنتَ أنتَ وكيلها فهي محرمة عليَّ كحرمة أمّي"، فإنه من الطلاق المعلق، يقع بوقوع المعلّق عليه، ويترتب على ذلك أنه إن كانت الزوجة قد وكلته بالفعل فقد لزمه الطلاق، وإن كان مدعيا ولم توكله عن طلاقها فالطلاق غير واقع، لعدم وقوع المعلّق عليه، ففي البخاري عن نافع قال: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: (إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) [البخاري: 7/45].
وقول الزوج: (هي عليه حرام كحرمة أمه)، من ألفاظ الكناية غير الصريحة، المحتملة للظهار والطلاق، وما كان من الألفاظ غير صريحٍ في بابه دخله التخصيص بالنية أو العرف، قال القرافي رحمه الله: "وَنَحْنُ نَقُولُ كُلُّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابٍ لَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَابٍ آخَرَ بِالنِّيَّةِ... بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ" [الذخيرة: 11/101-102]، والعامة لا يعرفون الظهار ولا يخطر ببالهم، فيُحمل على الطلاق؛ تخصيصًا للفظ بالعرف، قال القرافي رحمه الله: "إِذَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي شَيْءٍ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّهُ يَنْسَخُ وَضْعَهُ الْأَوَّلَ وَيَصِيرُ مَوْضُوعًا لِلثَّانِي فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ" [الذخيرة: 3/305]، واللازم في لفظ التحريم على المختار طلقة بائنة بينونة صغرى، فلا تحلّ له إلا بعقد جديدٍ وصداقٍ وشاهدين، إن كان التوكيل قد وقع كما تقدم.
وأمَّا الحضانة؛ فالمطلقة أحق بحضانة الطفل بإجماع العلماء، ما لم تتزوج؛ قال ابن المنذر رحمه الله: "أجمعوا أن الزوجين إذا افترقا، ولهما ولد طفل، أن الأم أحق به ما لم تنكح" [الإجماع:24]، ويَثبُت للمحضون على والده أثناء الحضانة النفقة كاملة، وما يستلزم الحضانة؛ وهو توفير المسكن للحاضنة، إمَّا بالبقاء بمحل الزوجية، أو أن يوفر لمطلقته الحاضنة محلًّا آخر إلى انتهاء مدة الحضانة، وحضانة الابن إلى البلوغ، والبنت إلى الزواج.
وأمَّا الصداق فقد ثبت لها كاملًا بالدخول، فيسدده حسب المتفق عليه في العقد، مقدّمه ومؤخره، أمَّا المتعة في قول الله تعالى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة:241]؛ فالأمر بها محمول على الاستحباب عند المالكية، وهي مقدّرة بالاجتهاد، قال القرافي رحمه الله: "وهي عندنا ـ أي المالكية ـ مستحبةٌ" [الذخيرة:4/448]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء:
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
14/رجب/1447هـ
2026/1/4م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16212
