لغو الطلاق حالة شرود الذهن
السؤال: أنا موظف بأحد المصارف، وفي أثناء إتمامي لإجراءات أحد الزبائن، سلَّمني أحد زملائي بطاقة مصرفية، كنت قد وقعتُ على استلامها قبل ذلك، ولكثرة انشغالي لم أتفطن لاستلامها، فسألت زميلي -فترةَ الاستراحة- عن البطاقة، فأخبرني أني استلمتها، فحلفت له: "عليَّ اليمين ثلاثًا من بيتي ما استلمتها"، ثُمَّ تبيَّن لي أني استلمتها منه ووضعتها في جيبي، ساعة انهماكي في العمل، فما حكم ذلك؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فـإنَّ الحلف بالطَّلاق من أَيمانِ الفُسَّاق، التي تَقدحُ في المروءة والشهادة؛ لأنّ المسلمَ لا يحلفُ إلا بالله، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ) [البخاري: 2533].
والحلف بالطلاق على شيءٍ يوقنه الحالف، ثُمَّ يتبيَّنُ له أنَّه خلاف ذلك وإن كان المذهب المالكي على لزوم الطلاق؛ لأنه لا لغو عندهم في الطلاق فإن في المذهب الشافعي مخرجا لهذا الحالف، فالراجح عندهم عدم وقوع الطلاق بما يخالف ظن الحالف، سُئِلَ شهاب الدين الرَّملي رحمه الله "عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ عَلَى جِنْسِ شَيْءٍ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ، هَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَوْ لَا؟... فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى الْحَالِفِ الطَّلَاقُ الْمَذْكُورُ" [فتاوى الرملي: 328/3].
وقال الهيتمي رحمه الله: "وَفِي الْحَلِفِ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ بَيَّنْت حَاصِلَ الْمُعْتَمِدِ مِنْهُ فِي الْفَتَاوَى وَهُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ مُطْلَقًا فَعَلَيْك بِهِ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ مُهِمٌّ" [الفتاوى الكبرى: 4/178].
وقد أوقع السائل الطلاق بالثلاث في وقت ضِيقٍ تزاحم فيه العمل عليه، والأخذ بما ذهب إليه الشافعية في هذه المسألة لا تخفى مصلحتُه؛ حفاظًا على الأسرة مِن الضياع بناءً على حماقة ارتكبها الزوج في زحمة عمل وتوتر أعصاب.
وعليه فالزوجةُ باقيةٌ في عصمة الزوج، ولا يلزمه الطلاق، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عبد العالي بن امحمد الجمل
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
9/رجب/1447هـ
2025/12/29م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16209
