مقدار الدية في القتل الخطأ
السؤال: ما حكم أخذ دية ابني، الذي قُتل خطأً بحادث سير في طريق الشط؟ وكم قيمة الدية؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فمن قُتل له قتيل خطأً جاز له أخذ الدّية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [سورة النساء: 92]، والأصل في دية الخطأ أنَّها على العاقلة، قال ابن الحاجب رحمه الله: "وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً" [جامع الأمهات: 505]، والعاقلة الذين تجب عليهم الدية، هم عصبةُ القاتل من قرابته؛ وتشمل الآباء والأبناء والإخوة وأبناء الإخوة والعمومة وأبناء العمومة وَإنْ بعدُوا، وكذلك أهل الديوان -جهة العمل والنقابة التي تضمهم- لقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك؛ قال خليل رحمه الله: "وَالْعَاقِلَةُ هِيَ الْعَصَبَةُ، وَأُلْحِقَ بِالْعَصَبَةِ أَهْلُ الدِّيوَانِ لِعِلَّةِ التَّنَاصُرِ، هَذَا مَا قَالَ مَالِك" [التوضيح: 8/168]، قال ابن الحاجب رحمه الله: "وَيُبْدَأُ بِأَهْلِ الدِّيوَانِ فَإِنِ اضْطَرُّوا إِلَى مَعُونَةٍ أَعَانَتْهُمْ عَصَبَتُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ دِيوَانٍ فَعَصَبَتُهُ" [جامع الأمهات: 505].
فإن لم يكن للجاني عاقلة فالدِّية من بيت مال المسلمين؛ قال الخرشي رحمه الله: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ عَاقِلَةٌ فَإِنَّ بَيْتَ الْمَالِ يَحْمِلُ الدِّيَةَ عَنْهُ" [شرح الخرشي على خليل: 8/46]، فإن تعذرَ ذلك أيضًا، كما هو الحال اليوم؛ لعدم إلزام العاقلةِ بالديةِ قانونًا، وعدم فرض آليّة تنظمها؛ ولتعذّر أخذها مِن بيت المال، فالدية حينئذ تكونُ في مالِ الجاني وحده بقدر طاقته، لئلَّا يذهبَ دمُ المقتولِ هدرًا.
أمَّا قيمة الدِّية: فالأصل أنَّ دية الخطأِ على أهلِ البادية مائةٌ من الإبل، وعلى أهل المدنِ ألف دينار ذهبًا أو اثنا عشر ألف درهم من الفضة، قال مالك رحمه الله: "إِنَّمَا قَوَّمَ عُمَرُ الدِيَّةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ [أي الفضَّة] اِثنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، حِيْنَ صَارَتْ أَمْوَالُهُمْ ذَهَبًا وَوَرِقًا، وَتَرَكَ دِيَّةَ الإِبِلِ عَلَى أَهْلِهَا عَلَى حَالِهَا" [تهذيب المدونة: 567/4]، فإن كان النقدُ من غير الذهب والفضة، كما هو واقعُ أهلِ المدن اليوم، فيرجعُ في تقدير قيمة دية الخطأِ إلى قيمة مائةٍ من الإبل، بالنقد المتعاملِ به في البلد؛ لأنَّ الإبل هي الأصلُ في تقويم الديات، وهي محلُّ إجماع بين العلماء، دون التقدير بغيرها، وتكون الإبلُ مُخمَّسة الأسنان: عشرون بنت مَخَاض، وعشرون بنت لبُون، وعشرون ابن لبُون ذكر، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة، ولا تُقدَّر القيمة من المعلوفة السمينة، ولا من الهزيلة، بل الوسط مِن كل سن مِن هذه الأسنان، وينظر في قيمة الإبل -إن لم توجد في المدينة- لأقرب مدينة أو بادية، فتقسط الدية من الإبل على ثلاث سنوات، ففي المدونة عن ابن القاسم رحمه الله: "ففي كم تؤخذ الدية في قول مالك؟ قال: في ثلاث سنين" [المدونة:567/4]، وتقدر قيمة الإبل في كل سنة حسب السوق، كما جاء في قرار مجلس البحوث [رقم (02) لسنة 1439هـ – 2018م].
ولأولياء المجني عليه أن يصطلحوا على أقل من الدية المذكورة إذا رأوا ذلك، أو يعفوا عن الجاني دونَ مقابل؛ لأن الديةَ حقّ لهم، قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَّصَّدَّقُوا﴾: "وَأَمَّا الْكَفّارَةُ الَّتِي هِيَ للهِ تَعَالَى فَلَا تَسْقُطُ بِإِبْرَائِهِمْ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ الدِّيَةُ الَّتِي هِيَ حَقُّ لَهُمْ" [تفسير القرطبي: 323/5]، لكن مال الصلح يدفعه الجاني من ماله؛ لأنّ العاقلة لا تحمل الصلح؛ قال ابن الحاجب رحمه الله: "وَلا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَةَ عَمْدٍ وَلا عَبْدٍ وَلا صُلْحٍ" [جامع الأمهات: 505]، وإذا تصالحوا على أقل من الدية فإنَّ المُصالَح به يُدفعُ مُعجَّلا؛ لِمَا يلزمُ على تأخيره من فسخ الدين في مؤخر، قال الدّسوقي رحمه الله: "وَجَازَ الصُّلْحُ عَنْ دِيَةِ الْخَطَإِ بِحَالٍّ مُعَجَّلٍ... وَالْمُرَادُ بِالتَّعْجِيلِ الدَّفْعُ بِالْفِعْلِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ [أي التعجيل بالفعل]؛ لِأَنَّ الْحُلُولَ مِنْ غَيْرِ تَعْجِيلٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ دَيْنًا فَيَلْزَمُ الْمَحْذُورُ" [الشرح الكبير: 4/263]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
24/شعبان/1447هـ
2026/2/12م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16208
