حكم هبة الأب ماله لأولاده في حياته وضابط العدل فيها.
السؤال: أنا (م ع م)، أملك منزلا وأراضي، ورغبةً مني في الاطمئنان على أولادي الست وبناتي الخمسة وزوجتي، قسمت ما أملك من العقارات بينهم.
لي منزل من ثلاث طوابق، كتبت نصف الطابق الأرضي لابنتي التي لم تتزوج، والنصف الآخر لباقي البنات المتزوجات، وأعطيت لأربعة من أبنائي الطابقين الآخرين، شقة لكل واحد منهما، وأمّا ابناي الآخران فحالتهما المادية جيدة، ولا يحتاجان لمنزل، وبقيتْ مزرعةٌ مساحتها تسعة هكتارات، خصصتُها للأبناء الذكور دون البنات، وأما زوجتي فكتبتُ لها قطعة أرض صغيرة أخرى فيها زيتون، وقلت لأبنائي: إذا توفاني الله فبيعوها لها وأعطوها ثمنها، وجمعتهم كلهم على صعيد واحد، وسألتهم إن كانوا راضين بهذه القسمة، فأجاب الجميع بأنه راض مسامح، وليس في قلبه شيء. فأخبِروني بحكم الشرع فيما فعلتُ، وأرجو توجيهَ نصيحةٍ لأولادي بأن يكونوا عونًا لي، وسببًا لنجاة أبيهم يوم العرض على الله، وأن يُعينوني على العدل بينهم في العامر والدامر.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فتقسيم الرجل أملاكَه في حياته هو من باب الهبة، والهبة تصح شرعًا وتتم بقبض الموهوب له للهبة.
وينبغي أن تكون القسمة في هذه الهبة بالعدل وإبراء الذمة بما يوافق الشرع؛ بأن تعطى الزوجة الثُّمُن، ويعطى الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، أو يسوى بينهم ذكورا وإناثا.
فعلى السائل أن يقوّم أملاكه ويجعل ما يساوي ثُمُنها لزوجته، وما بقي لأولاده ذكورا وإناثا، إن شاء سوى بينهم: الذكرُ والأنثى سواء، وإن شاء أعطى للذكر مثل حظ الأنثيين، فذلك الذي ينبغي أن تتم عليه هبة أملاكه.
لكن يجوز له أن يفضل بعض ولده على بعض لغرض صحيح، كأن يكون الولد الذي يعطيه زيادة فقيرا أو مريضا أو صغيرا أو أكثر برًّا به، هذا هو الذي يجب على السائل أن يلتزم به، أما إعطاء الذكور لأنهم ذكور وحرمان الإناث لكونهن إناثا، فهذا من الجَوْر والظلم في القسمة لا يحلّ، ففي حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: (تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ) [صحيح مسلم: 5/65].
وعليه -إذا فعل ذلك- أن يسلّم ما أعطاه لهم ويُخرِجه من ذمته بحيث تصير الهبة كلُّها صحيحة نافذة، لا أن يسلّم البعض ويترك البعض في حوزته؛ لأن ما تركه في حوزته إلى أن يحصل له المانع يبطل ويتحول ميراثا لجميع الورثة.
ويُنصح أولاد السائل جميعًا -والذكور خصوصا- بتقوى الله في أبيهم، فإنه ما جمعهم في حياته وسألهم الرضا والمسـامحة، إلا خوفًا من الوقوف بين يدي الله مُثقَلاً بأوزار الظلم، لا يبتغي إلا براءةَ ذمته يوم لا ينفع مال ولا بنون، فعليهم أن يعينوه على إبراء ذمته، والعدل في قسمة أملاكه.
ولْيَذْكُروا ما بذله من أجلهم مُذْ كانوا صغارا، وما تحمّله من عناءٍ وكَدٍّ في سبيلهم، حتى أفنى عمره ليَكبَروا ويصيروا إلى ما هم عليه اليوم، فلْيطيّبُوا خاطره ويُجَنِّبُوه مغبة المظالم؛ فإنه أقل حقوقه عليهم، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
01/شعبان/1447هـ
20/يناير/2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16186
