تنازل العاملين في شركة إسمنت عن الفروقات المالية مقابل تقديم حجزهم في الإسمنت
السؤال: نحن بعض العاملين في الشركة (أ) للإسمنت، التابعة لشركة (ا و)، كان قد صدر عن الجمعية العمومية للشركة قرار بزيادة المرتبات لجميع العاملين، ابتداء من عام 2014م، ولم يعمل به حتى عام 2021م، ثم صدر قرار آخر بزيادة المرتبات بنسبة 10%، وتم سحبه، واعتماد قرار آخر بزيادة 15%، على أن يُعمل به ابتداء من 2021م، ولم يعمل به أيضًا، ثم صدر قرار بشأن الزيادة في عام 2023م، وتم العمل به من هذا التاريخ، وقد تقدم عدد من العاملين بالمصانع برفع دعوى قضائية، للمطالبة بالمستحقات المالية المترتبة من عام 2014م إلى عام 2023م، وصدرت أحكام بإلزام الشركة بدفع هذه الفروقات، وقامت الشركة بتسوية الفروقات ودفعها لهم، وفي الفترة الأخيرة قامتْ مجموعة أخرى من العاملين برفع دعوى قضائية في ذاتِ الأمر، فقام مجلس إدارة الشركة بتشكيل لجنة للتفاوض مع العاملين، ولم نتوصلْ إلى حلّ، حتى اقترحوا علينا حلًّا يقضي بتمكين العاملين من حجز كميات من الإسمنت، تتراوح بين 40 إلى 200 طنٍّ لكل عامل، على أن يقوم العامل بدفع قيمة الإسمنت حسبَ التسعيرة المعتمدة، ويستلم المخصص له ليبيعه ويستفيدَ من فارق السعر، ويكون هذا تعويضًا للعامل عن مستحقاته، بشرط التنازل كتابيًّا عن الدعاوى المرفوعة، وعن المطالبة بالفروقات مستقبلًا، علمًا أنّ الفروقات المستحقة تتفاوتُ بين العاملين، حسب درجةِ كلّ عامل وتخصصه، والسؤال: هل يجوز القَبول بهذه التسوية؟ بإسقاط العاملين لحقوقهم المترتبة من الفروقات، مقابل حجزهم في الإسمنت وبيعه لهم بسعر الشركة، حتى يتمكن العاملون من بيعه بعد ذلك في السوق السوداء، ويعتبرون التعويض حاصلًا في فارق السعرين، مع أن تسليم الإسمنت سيكون خلال فترات مجهولة متفاوتة، وتحتاج إلى وقتٍ طويل، مع عدم استقرار أسعار الإسمنت في السوق مِن يوم لآخر.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن من شروط البيع؛ السلامةَ من الجهالة والغرر، ولا يزال بيع الإسمنت -وفق الصورة المذكورة في السؤال رغم الفتاوى والبيان المتكرر من المشايخ- ؛ يتضمن من الجهالة والغرر الشيء الكثيرَ غير المغتفَر، الذي يؤدي إلى فساد العقدِ وفسخه، إذ لا بد في البيع من العلم بالثمن والسلعة والأجل، عِلمًا يرفع الجهالة عما ذكر، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم المدينة، وجدهم يُسْلِفُونَ في الثمارِ السنةَ والسنتين، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَن أسْلفَ فِي ثَمَرٍ فليُسلِفْ في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ) [مسلم: 1604]، وبيعُ الإسمنتِ على أن يكون أجلُ الاستلامِ فيه غيرَ محدد بوقتٍ منضبطٍ كما ورد في السؤال؛ يُفضي إلى الغرر، وليسَ غررًا يسيرًا مغتَفَرًا.
وإذا كانت مصانعُ الإسمنت لا تحدد الثمن، أو كانت تُحدّده وتقوم بتغييره من حين لآخر بعد العقد، فهذا أيضًا مفسدٌ للعقد.
وعليه؛ فاستمرار الشركة في إبرام العقود على الوجه المذكور محرمٌ شرعًا، يتحمل كلُّ مَنْ له علاقة بهذه العقود وِزْرَه، والعقودُ فاسدةٌ غيرُ صحيحة، فلا بُدَّ في كلّ سلعة يبيعها المصنع، من تحديد نوعها وعددها وثمنها، وأجل الاستلام فيها، ليكون عقدها صحيحا.
وأمَّا محاباةُ الشركة للعاملين المستحقين للفروقات المالية المذكورة، بحيث تُقدّمهم على سائر الناس في حجز الإسمنت، فيتقدمون بطلبِ كمياتٍ كبيرة، ينتظرون استلامها، ليبيعوها بالسوقِ السوداء، مقابل تنازل هؤلاء العاملين عن حقهم في تلك الفروقات الماليّة؛ فهو من الضرر بعامة النّاس الذين ينتظرون هذه السلعة لفتراتٍ طويلة وحاجتُهم إليها شديدة، ومحاباة العاملين بالشركة ممّا يزيد عليهم تفاقم الأزمة وطول الآجال والانتظار، والله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، وقال: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
ثم إن كانت المرتبات الماضية لهؤلاء العاملين حقوقا ثابتة لهم، فالمصالحة عليها لا تجوز إلا بشيء معلوم، ومن يتحصل منهم على مقادير من الإسمنت، لا يعلم ما الذي سيربحه منها، لأن ذلك يتغير بتغير السوق، فلا يحل الإقدام على هذه المصالحة لما تضمنته من المخالفات الشرعية المذكورة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
26//ذو القعدة//1447هـ
14//05//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16134
