الطلاق الثالث من مريض بالصرع والجلطة
السؤال: أنا (س س ع) متزوج منذ سنة 2008م، من (خ ع ك)، وخلال سنوات زواجنا طلقتُها أكثر من مرة، أوَّلُهَا في عام 2009م، وأرجعتُها في العدة، ثم طلقتها في عام 2011م، وأرجعتها في العدة، ثم في عام 2020م حصل خلاف شديد بيني وبينها، فطلقتُها، وندمت على ذلك، ثم استفتينا شيخًا، فأفتاني بعدم وقوع الطلاق وإرجاعها لي، وقال لي: هذه المرة الأخيرة، علمًا أني مريض بالسكري والضغط من سنوات، ثم ازداد المرض عليّ فابتُليتُ بالقصور الكلوي، وأُصِبْتُ بجلطات دماغية عدة، وتسبب لي ذلك بالصرع الثانوي، ولذلك صرتُ أتناول أدوية عديدة تؤثر على الأعصاب، كما هو مرفق في التقرير الطبي.
وفي يوم: 17/ 02/ 2026م، حصل خلاف شديد بيني وبين زوجتي، فقالت لي: طلقني، واستفزّتني، فقلت لها، في لحظة غضب وانفعال: طالق، ثم رجعت إلى عقلي، وندمت ندمًا شديدًا، فأرجو منكم بيان الحكم الشرعي في هذا الطلاق.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ العقل هو مناطُ التكليفِ والمؤاخذةِ بالأقوالِ والأفعال، فإذا كان المطلِّقُ يعِي ما يقول، ويعلم بما صدَر منه، ويقصدُ ما تكلَّمَ به، فالطلاق واقعٌ سواءٌ كان مريضًا أو غيرَ مريض، وأمَّا إن كان المطلِّقُ شديدَ المرض وقتَ الطلاق، إلى درجةٍ لا يعي فيها ما يقول، ولا يشعر بما صدر منه؛ فالطلاق لا يقع؛ لأنَّه صار في حكم المجنونِ فاقدِ العقل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [النسائي: 3432]، وفي المدونة: "قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ رحمه الله: مَا نَعْلَمُ عَلَى مَجْنُونٍ طَلَاقًا فِي جُنُونِهِ، وَلاَ مَرِيضٍ مَغْمُورٍ لاَ يَعْقِلُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَجْنُونَ إِذَا كَانَ يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُرَدُّ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا عَقِلَ وَصَحَّ جَازَ أَمْرُهُ كُلُّهُ، كَمَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ" [2/84].
وعليه؛ فإن كان الحال ما ذكر، من أن الزوج قد أوقع الطلاق الثالث في عام 2020م، وهو يعي ما يقول، مُتَذَكِّرًا لما صدر منه، فقد بُتّت المرأة منه وحرمت عليه، ولا يجوز له إرجاعها إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، فالمرأةُ من ذلك الوقت أجنبيةٌ عنه.
وكونُ الزوج مريضًا لا يُعفيه من لزوم الطلاق، ما لم يصبحْ بمرضه مسلوبَ الإرادة فاقدًا للإدراك، وهو ما لم يحصل بالمرض الذي ذكره الزوجُ وأفاده تقريرُ الطبيب، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد العالي بن امحمد الجمل
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
26//ذو القعدة//1447هـ
14//05//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16133
