منع الولد العاق من الميراث
السؤال: لدي ابنتان تقيمان معي، الأولى من مواليد سنة 1979م، والأخرى من مواليد سنة 1985م، ومن سنة 2023م تغيَّر سلوكهما إلى الأسوأ، مِن ذلك خروجهما من المنزل دون علمي في أوقاتٍ متأخرةٍ من الليل، ورفع أصواتهما عليَّ، ثم انتقالهما للعيش في منزلٍ آخر، وقد نصحهما الأقاربُ عدة مرات دون جدوى، وإلى يومنا هذا لا نعلمُ مكان إقامتهما، ولا كيفية التواصل بهما، فما رأي الشرع في هذه الواقعة؟ وهل يجوز لي حجبهما عن الإرث؟ وما الواجب عليَّ لإبراء ذمتي؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالفتاةُ محجورٌ عليها من أبيها إلى أن تتزوجَ، ويجبُ عليها حينئذٍ المقام مع أبيها في بيته، ويحرمُ عليها أن تعيش منفردةً خارجَ منزل أبيها، قال الزرقاني رحمه الله: "ثم إذا بَلَغَ الصَّبِيُّ ذهب حيثُ شاءَ إلا أن يُخافَ عليه فسادٌ أو هلاكٌ فيَمْنَعُه الأبُ والوليُّ والناس أجمعون، وأما الصَّبِيَّةُ فيستَمِرُّ الحَجْرُ عليها بالنسبة لنفسها إلى سقوط حضانتها بالبناء بها؛ لأن الحضانة حقٌّ للحاضِن" [شرح الزرقاني على مختصر خليل: 5/521].
وعلى الأب - أو من يقوم مقامه في الولاية - أن يحسن رعاية من في ولايته، بالتربية الصالحة والأخلاق المرضيّة، من ذلك تعليمه الصلاة والمواظبة عليها، وما يلزمه معرفته من الأحكام التي تخصّه؛ كالتنشئة على العفة والحجاب الشرعيّ، وعدم الخروج من البيت إذا كان مَن في ولايته مِن البنات.
وكان عليه مراقبتهنّ المراقبة الدائمة المتواصلة، ومنعهنَّ من خلطة السوء، فكيف يصلحُ لأبٍ حريص على سلامة بناته أن يسمح لهنّ بالخروج أواخرَ الليل، فالذي يسمح بذلك ويتساهل فيه يكونُ قد أسهمَ في إفساد مَن ولَّاه الله عليه، وفرَّط فيما اؤتمنَ عليه، يعاقبُ على ذلك في الدنيا، ومن هذه العقوبة ما يشعر به الآن من الألم والحسرة، ويترتب عليه عقاب في الآخرة على تقصيره وتفريطه إن لم يتب، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 7] وعليه الآن أن يبذل جهده في تدارك ما أفسده، بالبحث الدؤوب عنهما عن طريق مراكز الشرطة، أو التواصل الاجتماعي، أو سؤال مَن كنّ يتواصلن معهما من القريبات أو الصاحبات، أو غير ذلك، عسى الله أن يجبر كسره ويردهما عليه، ويكون فيما حدث له عبرة، ترجعه إلى ربه، بالتوبة إليه مما فرَّطَ فيه، وعليه أن يستعين على ذلك -مع التوبة إلى الله- بالدعاء وكثرة الأعمال الصالحة.
وليس له حرمانهما من الميراث؛ لأنه ليس لأحد أن يحرم أحدا مما فرضه الله له، فقد تولى الله تبارك وتعالى قسمة التركات، ولم يكِلها لأحدٍ من العالمين، قال تبارك وتعالى بعد آية المواريث:﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 13، 14]، ولو أوْصَى الأب أو الأمّ بحرمان بعض الأولاد من التركة فالوصية باطلة، ولا يُعمل بها؛ لأنها وصية بمعصية، لا تنفذ.
عليه؛ فيجبُ على البنتين طاعةُ والديهما، بالرجوع إلى البيت، والإقامة معهما؛ طاعةً لله ورسوله، وحفاظًا على حقوق والدهما، رأفةً وبرّاً به، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
19//ذو القعدة//1447هـ
07//05//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16090
